ترتيلا ، ونزلناه إليك تنزيلا مفصلا تفصيلا ، وموصلا توصيلا ـ كما أشرنا إليه أول السورة ، فاستمع له ملقيا جميع تأملك إليه ولا تساوقه بالقراءة ، فإذا فرغ فاقرأه فإنا نجمعه في قلبك ولا نسقيك بإنسائه وأنت مصغ إليه ، ولا بتكليفك للمساوقة بتلاوته (وَقُلْ رَبِ) أي المحسن إليّ بإفاضة العلوم عليّ (زِدْنِي عِلْماً) أي بتفهيم ما أنزلت إليّ منه وإنزال غيره كما زدتني بإنزاله وتحفيظه ، لتتمكن من معرفة الأسباب المفيدة لتبع الخلق لك ، فإنه كما تقدم على قدر إحاطة العلم يكون شمول القدرة ، وفي هذا دليل على أن التأني في العلم بالتدبر وبإلقاء السمع أنفع من الاستعجال المتعب للبال المكدر للحال ، وأعون على الحفظ ، فمن وعى شيئا حق الوعي حفظه غاية الحفظ ؛ وروى الترمذي وابن ماجه والبزار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقول : «اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علما والحمد لله على كل حال ، وأعوذ بالله من حال أهل النار» (١) أفاده ابن كثير في تفسيره.
ولما قرر سبحانه بقصة موسى عليهالسلام ما أشار إليه أول السورة بما هو عليه من الحلم والتأني على عباده ، والإمهال لهم فيما هم عليه من النقص بالنسيان للعهود والنقض للمواثيق ، وأتبعها ذكر مدح هذا الذكر الذي تأدت إلينا به ، وذم من أعرض عنه ، وختمه بما عهد إليه صلىاللهعليهوسلم في أمره نهيا وأمرا ، أتبع ذلك سبحانه قصة آدم عليهالسلام تحذيرا من الركون إلى ما يسبب النسيان ، وحثا على رجوع من نسي إلى طاعة الرحمن ، وبيانا لأن ذلك الذي قرره من حلمه وإمهاله عادته سبحانه من القدم ، وصفته التي كانت ونحن في حيز العدم ، وأنه جبل الإنسان على النقص ، فلو أخذهم بذنوبهم ما ترك عليها من دابة ، فقال عاطفا على قوله (وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا) [الرعد : ٣٧] أو (كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ) مؤكدا لما تقدم فيه وعهد به من أمر القرآن ، ومحذرا من الإخلال بذلك ولو على وجه النسيان ، ومنجزا لما وعد به من قص أنباء المتقدمين مما يوافق هذا السياق : (وَلَقَدْ عَهِدْنا) بما لنا من العظمة (إِلى آدَمَ) أبي البشر الذي أطلعناه على كثير منها في النهي عن الأكل من الشجرة (مِنْ قَبْلُ) أي في زمن من الأزمان الماضية قبل هؤلاء الذين تقدم في هذه السورة ذكر نسيانهم وإعراضهم (فَنَسِيَ) عهدنا وأكل منها مع علمه من تلك العظمة بما لا ينبغي أن ينسى معه ذلك العهد المؤكد بذلك الجلال ، فعددنا عليه وقوعه في ذلك المنهيّ ناسيا ذنبا لعلو رتبته عندنا ، فهو من باب «حسنات الأبرار سيئات المقربين» فكيف بما فوق ذلك!
__________________
(١) أخرجه الترمذي ٣٥٩٩ وابن ماجه ٢٥١ عن أبي هريرة وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف كما في الميزان.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
