ليعلم وجه عدم اعتباره (قَتَلْتُ مِنْهُمْ) أي آل فرعون (نَفْساً) وأنت تعلم ما خرجت إلا هاربا منهم من أجلها (فَأَخافُ) إن باديتهم ، بمثل ذلك (أَنْ يَقْتُلُونِ) لذنبي إليهم ووحدتي وغربتي وثقل لساني في إقامة الحجج.
ولما تسبب عن ذلك طلب الإعانة بشخص فيه كفاية وله عليه شفقة ، وكان أخوه هارون أحق الناس بهذا الوصف ، كان التقدير : فأرسل معي أخي هارون ـ إلى آخره ، غير أنه قدم ذكره اهتماما بشأنه فقال : (وَأَخِي هارُونُ) والظاهر أن واوه للحال من ضمير موسى عليه الصلاة والسّلام ، أو عاطفة على مقول القول ، والمعنى أنه يخاف أن يفوت مقصود الرسالة إما بقتله أو لعدم بيانه ، فاكتفى بالتلويح في الكفاية من الأول ، لأنه لا طاقة لأحد غير الله بها ، وصرح بما يكفي من الثاني ، فكأن التقدير : إني أخاف أن يقتلون فيفوت المقصود ، ولا يحمني من ذلك إلا أنت ، وإن لساني فيه عقدة ، وأخي ـ إلى آخره ؛ وزاد في تعظيمه بضمير الفصل فقال : (هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً) أي من جهة اللسان للعقدة التي كانت حصلت له من وضع الجمرة في فيه وهو طفل في كفالة فرعون (فَأَرْسِلْهُ) أي بسبب ذلك (مَعِي رِدْءاً) أي معينا ، من ردأت فلانا بكذا ، أي جعلته له قوة وعاضدا ، وردأت الحائط ـ إذا دعمته بخشب أو كبش يدفعه أن يسقط ؛ وقراءة نافع بغير همز من الزيادة.
ولما كان له عليه من العطف والشفقة ما يقصر الوصف عنه ، نبه على ذلك بإجابة السؤال بقوله : (يُصَدِّقُنِي) أي بأن يلخص بفصاحته ما قلته وبينته ، ويقيم الأدلة عليه حتى يصير كالشمس وضوحا ، فيكون ـ مع تصديقه لي بنفسه ـ سببا في تصديق غيره لي ؛ ورفعه عاصم وحمزة صفة لردءا. ثم علل سؤاله هذا ، وبين أنه هو المراد ، لا أن يقول له : صدقت ، فإن قوله لهذه اللفظة لا تعلق له بالفصاحة حتى يكون سببا للسؤال فيه ، بقوله مؤكدا لأجل أن من كان رسولا عن الله لا يظن به أن يخاف : (إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ).
ولما كان ما رأى من الأفعال ، وسمع من الأقوال ، مقتضيا للأمن من أن يكذبوه ، وكان عالما بما هم عليه من القساوة والكبر ، أشار إلى ذلك بالتأكيد ، أي وإذا كذبوني عسرت عليّ المحاججة على ما هو عادة أهل الهمم عند تمالؤ الخصوم على العناد ، والإرسال موجب لكلام كثير وحجاج طويل ، وقريب من هذا قول النبي صلىاللهعليهوسلم لما أمره الله تعالى بإنذار قومه «إذن يثلغوا رأسي فيجعلوه خبزة» (١) وكأن مراد السادة القادة عليهم
__________________
(١) صحيح. هو بعض حديث طويل أخرجه مسلم ٢٨٦٥ من حديث عياض بن حمار وصدره «ألا إن الله أمرني أن أعلمكم ما جهلتم ...».
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
