انجرّ معه الإشعار بأنه عليه الصلاة والسّلام سيملك مكة البلدة ويفتحها الله تعالى عليه ، ويذل عتاة قريش ومتمرديهم ، ويعز أتباع رسول الله صلىاللهعليهوسلم ومن استضعفته قريش من المؤمنين ، اتبع سبحانه ذلك بما قصه على نبيه من تطهير ما أشار إليه من قصة بني إسرائيل وابتداء امتحانهم بفرعون ، واستيلائه عليهم ، وفتكه بهم إلى أن أعزهم الله وأظهرهم على عدوهم ، وأورثهم أرضهم وديارهم ، ولهذا أشار تعالى في كلا القصتين بقوله في الأولى (سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها) وفي الثانية بقوله : وترى (فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ) ثم قص ابتداء أمر فرعون وحذره واستعصامه بقتل ذكور الأولاد ثم لم يغن ذلك عنه من قدر الله شيئا ، ففي حاله عبرة لمن وفق للاعتبار ، ودليل على أنه سبحانه المتفرد بملكه ، يؤتي ملكه من يشاء ، وينزعه ممن يشاء ، لا يزعه وازع ، ولا يمنعه عما يشاء مانع ، (قُلِ) الله (مالِكَ الْمُلْكِ) وقد أفصح قوله تعالى (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ) ـ الآية بما أشار إليه مجمل ما أوضحنا اتصاله من خاتمة النمل وفاتحة القصص ، ونحن نزيده بيانا بذكر لمع من تفسير ما قصد التحامه فنقول : إن قوله تعالى معلما لنبيه صلىاللهعليهوسلم وآمرا (إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ) إلى قوله : (سَيُرِيكُمْ آياتِهِ) لا خفاء بما تضمن ذلك من التهديد ، وشديد الوعيد ، ثم في قوله : (رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ) إشارة إلى أنه عليه الصلاة والسّلام سيفتحها ويملكها ، لأنه بلد ربه وملكه ، وهو عبده ورسوله ، وقد اختصه برسالته ، وله كل شيء ، فالعباد والبلاد ملكه ، ففي هذا من الإشارة مثل ما في قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ) وقوله تعالى : (وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ) أي ليسمعوه فيتذكروا ويتذكر من سبقت له السعادة ، ويلحظ سنة الله في العباد والبلاد ، ويسمع ما جرى لمن عاند وعنى وكذب واستكبر ، فكيف وقصه الله وأخذه ولم يغن عنه حذره ، وأورث مستضعف عباده أرضه ودياره ، ومكن لهم في الأرض وأعز رسله وأتباعهم (نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) أي يصدقون ويعتبرون ويستدلون ويستوضحون ، وقوله : (سَيُرِيكُمْ آياتِهِ) يشير إلى ما حل بهم يوم بدر ، وبعد ذلك إلى يوم فتح مكة ، وإذعان من لم يكن يظن انقياده ، وإهلاك من طال تمرده وعناده ، وانقياد العرب بجملتها بعد فتح مكة ودخول الناس في الدين أفواجا ، وعزة أقوام وذلة آخرين ، بحاكم (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ) إلى أن فتح الله على الصحابة رضوان الله عليهم ما وعدهم به نبيهم صلىاللهعليهوسلم ، فكان كما وعد ، فلما تضمنت هذه الآية ما أشير إليه ، أعقب بما هو في قوة أن لو قيل : ليس عتوكم بأعظم من عتو فرعون وآله ، ولا حال مستضعفي المؤمنين بمكة ممن قصدتم فتنته في دينه بدون حال بني إسرائيل حين كان فرعون يمتحنهم بذبح
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
