[الروم : ٥٥] فلا يزالون في إفك وصرف عن الحق في الدارين ، لأن الإنسان يموت على ما عاش عليه ، ويبعث على ما مات عليه ، ويجوز أن يكون المراد أن من قال : إن لبثهم يوم واحد ، أمثلهم في نفس الأمر ، لأن الزمان وإن طال إنما هو يوم متكرر ، ليس مرادا لنفسه ، وإنما هو مراد لما يكون فيه فإن كان خيرا كان صاحبه محمودا ولم يضره قصره ، وإن كان شرا كان مذموما ولم ينفعه طوله ، ويجوز أن يكون أنث أولا إرادة لليالي ، لأنها محل الراحة المقصودة بالذات ، فكان كأنهم قالوا : لم يكن لنا راحة إلا بزمن يسير جدا أكثر أول العقود ، ونص الأمثل على اليوم الذي يكون الكد فيه للراحة في الليل إشارة إلى أنهم ما كان لهم في اللبث في الدنيا راحة أصلا ، ولم يكن سعيهم إلا نكدا كله كما يكون السعي في يوم لا ليلة يستراح فيها. وإن كانت فيه راحة فهي ضمنية لا أصلية.
ولما أخبر عن بعض ما سبق ثم عن بعض ما يأتي من أحوال المعرضين عن هذا الذكر فيما ينتجه لهم إعراضهم عنه ، وختم ذلك باستقصارهم مدة لبثهم في هذه الدار ، أخبر عن بعض أحوالهم في الإعراض فقال : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ) ما يكون حالها يوم ينفخ في الصور؟ شكا منهم في البعث وقوفا مع الوهم في أنها تكون موجودة على قياس جمودهم لا محالة ، لأنها أشد الأشياء قوة ، وأطولها لبثا ، وأبعدها مكثا ، فتمنع بعض الناس من سماع النفخ في الصور ، وتخيل للبعض بحكم رجع الهواء الحامل للصوت أنه آت من غير جهته فلا يستقيم القصد إلى الداعي (فَقُلْ) أي فتسبب عن علمنا بأنهم يسألونك هذا السؤال أنا نقول لك : قل ، أو يكون على تقدير شرط ، أي فإذا سألوك فقل لهم ، وهذا بخلاف ما نزل بعد وقوع السؤال عنه مثل الروح وقصة ذي القرنين فإن الأمر بجوابه على طريق الاستئناف لما هناك من استشراف النفس للجواب (يَنْسِفُها) أي يقلعها من أماكنها ويذريها بالهواء (رَبِّي) المحسن إليّ بنصري في يوم القيامة نصرا لا يبلغ كنهه (نَسْفاً) عند النفخة الأولى (فَيَذَرُها) أي أماكنها (قاعاً) أي أرضا ملساء (صَفْصَفاً) أي مستويا كأنه صف واحد لا أثر للجبال فيه (لا تَرى) أي بالبصر ولا بالبصيرة (فِيها) أي مواضع الجبال (عِوَجاً) بوجه من الوجوه ، وعبر هنا بالكسر وهو للمعاني ، ولم يعبر بالفتح الذي يوصف به الأعيان ، ومواضع الجبال أعيان لا معاني ، نفيا للاعوجاج على أبلغ وجه ، بمعنى أنك لو جمعت أهل الخبرة بتسوية الأراضي لا تفقوا على الحكم باستوائها ، ثم لو جمعت أهل الهندسة فحكموا مقاييسهم العلمية فيها لحكموا بمثل ذلك (وَلا أَمْتاً) أي شيئا مرتفعا كالكدية أو نتوّا يسيرا أو شقا أو اختلافا ؛ وقال البيضاوي والزمخشري : الأمت النتوّ اليسير ، قال الغزالي في الدرة الفاخرة : ينفخ في الصور فتطاير الجبال ، وتفجر الأنهار بعضها في بعض ،
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
