(داخِرِينَ) أي صاغرين منكسرين ؛ واستغنى عن التصريح به بما يعلم بالبديهة من أنه لا يمكن إتيانهم في حال فزعهم الذي هو كناية عن بطلان إحساسهم ، هذا معنى ما قاله كثير من المفسرين والذي يناسب سياق الآيات الماضية ـ من كون الكلام في يوم القيامة الذي هو ظرف لما بين البعث ودخول الفريقين إلى داريهما ـ أن يكون هذا النفخ بعد البعث وبمجرد صعق هو كالغشي كما أن حشر الأفواج كذلك ، ويؤيده التعبير بالفزع ، ويكون الإتيان بعده بنفخة أخرى تكون بها الإقامة ، فهاتان النفختان حينئذ هما المراد من قوله صلىاللهعليهوسلم : «يصعق الناس يوم القيامة» ـ الحديث (١) ، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى لفظا ومعنى ، ويحل ما فيه من إشكال في آخر سورة الزمر.
ولما ذكر دخورهم ، تلاه بدخور ما هو أعظم منهم خلقا ، وأهول أمرا ، فقال : عاطفا على ناصب الظرف مما تقديره : كانت أمور محلولة ، معبرا بالمضارع لأن ذلك وإن شارك الفزع في التحقق قد فارقه في الحدوث والتجدد شيئا فشيئا : (وَتَرَى الْجِبالَ) أي عند القيام من القبور ، والخطاب إما للنبي صلىاللهعليهوسلم ليدل ذلك ـ لكونه صلىاللهعليهوسلم أنفذ الناس بصرا وأنورهم بصيرة ـ على عظم الأمر ، وإما لكل أحد لأن الكل صاروا بعد قيامهم أهلا للخطاب بعد غيبتهم في التراب (تَحْسَبُها جامِدَةً) أي قائمة ثابتة في مكانها لا تتحرك ، لأن كل كبير متباعد الأقطار لا يدرك مشيته إلا تخرصا (وَهِيَ تَمُرُّ) أي تسير حتى تكون كالعهن المنفوش فينسفها الله فتقع حيث شاء كأنها الهباء المنثور ، فتستوي الأرض كلها بحيث لا يكون فيها عوج ، وأشار إلى أن سيرها خفي وإن كان حثيثا بقوله : (مَرَّ السَّحابِ) أي مرا سريعا لا يدرك على ما هو عليه لأنه إذا طبق الجو لا يدرك سيره مع أنه لا شك فيه وإن لم تنكشف الشمس بلا لبس ، وكذا كل كبير الجرم أو كثير العد يقصر عن الإحاطة به لبعد ما بين أطرافه بكثرته البصر ، يكون سائرا ، والناظر الحاذق يظنه واقفا.
ولما كان ذلك أمرا هائلا ، أشار إلى عظمته بقوله ، مؤكدا لمضمون الجملة المتقدمة : (صُنْعَ اللهِ) أي صنع الذي له الأمر كله ذلك الذي أخبر أنه كائن في ذلك اليوم صنعا ، ونحو هذا المصدر إذا جاء عقب كلام جاء كالشاهد بصحته ، والمنادي على سداده ، والصارخ بعلو مقداره ، وأنه ما كان ينبغي أن يكون إلا هكذا ، ثم زاد في التعظيم بقوله دالا على تمام الإحكام في ذلك الصنع : (الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.)
ولما ثبت هذا على هذا الوجه المتقن ، والنظام الأمكن ، أنتج قطعا قوله : (إِنَّهُ)
__________________
(١) يخرّج في موضعه بإذن الله فيما سيأتي.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
