تخللها من التسلية بأحوال السلف الصالح والتأسية ، مفصلة من أدلة التوحيد والبعث ، وغير ذلك من الحكم ، بما يبعث الهمم ، على معالي الشيم ، كان كأنه قيل : هل يعاد شيء من القصص على هذا الأسلوب البديع والمثال الرفيع؟ فقيل : نعم (كَذلِكَ) أي مثل هذا القص العالي ، في هذا النظم العزيز الغالي ، لقصة موسى ومن ذكر معه (نَقُصُّ عَلَيْكَ) أي بما لنا من العظمة التي لا يعجزها شيء ؛ وأشار إلى جلالة علمه بقوله : (مِنْ أَنْباءِ) أي أخبار (ما قَدْ سَبَقَ) من الأزمان والكوائن الجليلة ، زيادة في علمك ، وإجلالا لمقدارك ، وتسلية لقلبك ، وإذهابا لحزنك ، بما اتفق للرسل من قبلك وتكثيرا لأتباعك وزيادة في معجزاتك ، وليعتبر السامع ويزداد المستبصر في دينه بصيرة وتأكد الحجة على من عابه : (وَقَدْ آتَيْناكَ) من عظمتنا تشريفا لك وتعظيما لقدرك (مِنْ لَدُنَّا) أي من عندنا من الأمر الشريف بمزيد خصوصيته بنا ولطيف اتصاله بحضرتنا من غيب غيبا (ذِكْراً) عظيما جليلا جامعا لما أظهرناه من أمرنا في التوراة ، وما أبطنّاه من سرنا في الإنجيل ، وما أودعناه من سكينتنا في الزبور ، مع ما خصصناه به من لطائف المزايا ، وعظائم الأسرار ، يعرف بمجرد تلاوته أنه من عندنا لما يشهد له من الروح ، ويذاق له من الإخبات والسكون ، ويرى له من الجلالة في الصدور مع القطع بأن أحدا لا يقدر أن يعارضه ، وضمناه تلك القصص مع ما زدنا فيه على ذلك من المواعظ والأحكام ودقائق اشارات الحقائق ، متكفلا بسعادة الدارين وحسنى الحسنيين ، فمن أقبل عليه كان مذكرا له بكل ما يريد من العلوم النافعة.
ولما اشتمل هذا الذكر على جميع أبواب الخير ، فكان كل ما ليس له فيه أصل شقاوة محضة وضلالا بعيدا ، قال يقص عليه من أنباء ما يأتي كما قص من أنباء ما قد سبق : (مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ) أي عن ذلك الذكر ، وهو عام في جميع من يمكن دخوله في معنى «من» من العالمين (فَإِنَّهُ يَحْمِلُ) ولما كان المراد استغراق الوقت قال : (يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً) أي حملا ثقيلا من العذاب الذي سببه الوزر وهو الذنب ، جزاء لإعراضه عنه واشتغاله بغيره (خالِدِينَ فِيهِ) وجمع هنا حملا على المعنى بعد الإفراد للفظ ، تنبيها على العموم لئلا يغفل عنه بطول الفصل ، أو يظن أن الجماعة يمكنهم المدافعة ، ويمكن أن يراد بالوزر الحمل الثقيل من الإثم ، ويكون الضمير في «فيه» للعذاب المسبب عنه فيكون استخداما كقوله :
|
إذا نزل السماء بأرض قوم |
|
رعيناه وإن كانوا غضابا |
ولما كانوا منكرين ليوم القيامة ، صرح بذكره ثانيا مع قرب العهد ، قارعا لأسماعهم به ، مجريا له إجراء ما هو به جدير من أنه متحقق لا مرية فيه فقال : (وَساءَ)
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
