سرعة إبلاغه بقوله : (إِذْ) أي حين (قالَ لِقَوْمِهِ) أي الذين كان سكن فيهم لما فارق عمه إبراهيم الخليل عليهالسلام وصاهرهم ، وكانوا يأتون الأحداث ، منكرا موبخا : (أَتَأْتُونَ) ولما كان للإبهام ثم التعيين من هز النفس وترويعها ما ليس للتعيين من أول الأمر قال : (الْفاحِشَةَ) أي الفعلة المتناهية في القبح (وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) أي لكم عقول تعرفون بها المحاسن والمقابح ، وربما كان بعضهم يفعله بحضرة بعض كما قال (وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ) [العنكبوت : ٢٩] فيكون حينئذ من البصر والبصيرة ؛ ثم أتبع هذا الأنكار إنكارا آخر لمضمون جملة مؤكدة أتم تأكيد ، إشارة إلى أن فعلتهم هذه مما يعي الواصف ، ولا يبلغ كنه قبحها ولا يصدق ذو عقل أن أحدا يفعلها ، فقال معينا لما أبهم : (أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ) وقال : (الرِّجالَ) تنبيها على بعدهم عما يأتونه إليهم ، ثم علله بقوله : (شَهْوَةً) إنزالا لهم إلى رتبة البهائم التي ليس فيها قصد ولد ولا عفاف ؛ وقال : (مِنْ دُونِ) أي إتيانا مبتدئا من غير ، أو أدنى رتبة من رتبة (النِّساءِ) إشارة إلى أنهم أساؤوا من الطرفين في الفعل والترك.
ولما كان قوله : (شَهْوَةً) ربما أوهم أنهم لا غنى بهم عن إتيانهم للشهوة الغالبة لكن النساء لا تكفيهم ، لذلك نفى هذا بقوله : (بَلْ) أي إنكم لا تأتونهم لشهوة محوجة بل (أَنْتُمْ قَوْمٌ) ولما كان مقصود السورة إظهار العلم والحكمة ، وكانوا قد خالفوا ذلك إما بالفعل وإما لكونهم يفعلون من الإسراف وغيره عمل الجهلة ، قال : (تَجْهَلُونَ) أي تفعلون ذلك إظهارا للتزين بالشهوات فعل المبالغين في الجهل الذين ليس لهم نوع علم في التجاهر بالقبائح خبثا وتغليبا لأخلاق البهائم ، مع ما رزقكم الله من العقول التي أهملتموها حتى غلبت عليها الشهوة ، وأشار إلى تغاليهم في الجهل وافتخارهم به بما سببوا عن ذلك بقوله : (فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ) أي لهذا الكلام الحسن لما لم يكن لهم حجة في دفعه بل ولا شبهة (إِلَّا أَنْ) صدقوه في نسبته لهم إلى الجهل بأن (قالُوا) عدولا إلى المغالبة وتماديا في الخبث (أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ) فأظهر ما أضمره في الأعراف لأن الإظهار أليق بسورة العلم والحكمة وإظهار الخبء ؛ وقالوا ؛ (مِنْ قَرْيَتِكُمْ) منا عليه بإسكانه عندهم ؛ وعللوا ذلك بقولهم : (إِنَّهُمْ) ولعلهم عبروا بقولهم : (أُناسٌ) مع صحة المعنى بدونه تهكما عليه لما فهموا من أنه أنزلهم إلى رتبة البهائم (يَتَطَهَّرُونَ) أي يعدون أفعالنا نجسة ويتنزهون عنها.
فلما وصلوا في الخبث إلى هذا الحد ، سبب سبحانه عن قولهم وفعلهم قوله : (فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ) أي كلهم ، أي من أن يصلوا إليه بأذى أو يلحقه شيء من عذابنا (إِلَّا امْرَأَتَهُ) فكأنه قيل : فما كان من أمرها؟ فقيل : (قَدَّرْناها) أي جعلناها بعظمتنا وقدرتنا
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
