القرآن (وَكِتابٍ مُبِينٍ هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) ثم وصفهم ليحصل للتابع قسطه من بركة التبع ، وليتقوى رجاؤه في النجاة مما أشار إليه (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا) من عظيم ذلك المطلع ؛ ثم أتبع ذلك بالتنبيه على صفة الآهلين لما تقدم من التقول والافتراء تنزيها لعباده المتقين ، وأوليائه المخلصين ، عن دنس الشكوك والامتراء فقال : (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ) أي يتحيرون فلا يفرقون بين النور والإظلام ، لارتباك الخواطر والأفهام ؛ ثم أتبع ذلك بتسليته عليه الصلاة والسّلام بالقصص الواقعة بعد تنشيطا له وتعريفا بعلي منصبه ، وإطلاعا له على عظيم صنعه تعالى فيمن تقدم ، ثم ختمت السورة بذكر أهل القيامة وبعض ما بين يديها ، والإشارة إلى الجزاء ونجاة المؤمنين ، وتهديد من تنكب عن سبيله عليه الصلاة والسّلام ـ انتهى.
ولما عظم سبحانه آيات الكتاب بما فيها من الجمع من النشر مع الإبانة ، ذكر حاله فقال : (هُدىً) ولما كان الشيء قد يهدى إلى مقصود يكدر حال قاصده. قال نافيا لذلك ، وعطف عليه بالواو دلالة على الكمال في كل من الوصفين : (وَبُشْرى) أي عظيمة.
فلما تشوفت النفوس ، وارتاحت القلوب ، فطم من ليس بأهل عن عظيم هذه الثمرة فقال : (لِلْمُؤْمِنِينَ) أي الذين صار ذلك لهم وصفا لازما بما كان لهم قبل دعاء الداعي من طهارة الأخلاق ، وطيب الأعراق ، وفي التصريح بهذا الحال تلويح بأنه فتنة وإنذار للكافرين (يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) ـ الآية ، (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ) [فصلت : ٤٤] ، (وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى) ـ إلى غير ذلك من الآيات.
ولما كان وصف الإيمان خفيا ، وصفهم بما يصدقه من الأمور الظاهرة فقال : (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ) أي بجميع حدودها الظاهرة والباطنة من المواقيت والطهارات والشروط والأركان والخشوع والخضوع والمراقبة والإحسان إصلاحا لما بينهم وبين الخالق.
ولما كان المقصود الأعظم من الزكاة إنما هو التوسعة على الفقراء قال : (وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ) أي إحسانا فيما بينهم وبين الخلائق.
ولما كان الإيمان بالبعث هو الجامع لذلك ولغيره من سائر الطاعات ، ذكره معظما لتأكيده ، فقال معلما بجعله حالا إلا أنه شرط لما قبله : (وَهُمْ) أي والحال أنهم.
ولما كان الإيمان بالبعث هو السبب الأعظم للسعادة وهو محط للحكمة ، عبر فيه
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
