الخيال ـ أي القوة المتخيلة ـ كانت منزلة الملائكة ، وحيثما كان اعوجاج في حال الخيال كان منزل الشياطين ، فمن ناسب الروحانيين من الملائكة كان مهبطهم عليه ، وظهورهم له ، وتأثيرهم فيه ، وتمثلهم به ، حتى إذا ظهروا عليه تكلم بكلامهم وتكلموا بلسانه ، ورأى بأبصارهم وأبصروا بعينيه ، فهم ملائكة يمشون في الأرض مطمئنين (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ) [فصلت : ٣٠] ومن ناسب الشياطين من الأبالسة كان مهبطهم عليه ، وظهورهم له ، وتأثيرهم فيه ، وتمثلهم به ، حتى إذا ظهروا عليه تكلم بكلامهم وتكلموا بلسانه ، ورأى بأبصارهم وأبصروا بعينيه ، هم شياطين الإنس يمشون في الأرض مفسدين ـ انتهى.
ولما بطل ـ بإبعاده عن دركات الشياطين ، وإصعاده إلى درجات الروحانيين ، من الملائكة المقربين ، الآتين عن رب العالمين ـ كونه سحرا ، وكونه أضغاثا ومفترى ، نفى سبحانه كونه شعرا بقوله : (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ) أي بغاية الجهد ، في قراءة غير نافع بالتشديد ، لاستحسان مقالهم وفعالهم ، فيتعلمون منهم وينقلون عنهم (الْغاوُونَ) أي الضالون المائلون عن السنن الأقوم إلى الزنى والفحش وكل فساد يجر إلى الهلاك ، وهم كما ترى بعيدون من أتباع محمد صلىاللهعليهوسلم ورضي عنهم الساجدين الباكين الزاهدين.
ولما قرر حال أتباعهم ، فعلم منه أنهم هم أغوى منهم ، لتهتكهم في شهوة اللقلقة باللسان ، حتى حسن لهم الزور والبهتان ، دل على ذلك بقوله : (أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ) أي الشعراء. ومثل حالهم بقوله : (فِي كُلِّ وادٍ) أي من أودية القول من المدح والهجو والنسيب والرثاء الحماسة والمجون وغير ذلك (يَهِيمُونَ) أي يسيرون سير الهائم حائرين وعن طريق الحق جائرين ، كيفما جرهم القول انجروا من القدح في الأنساب ، والتشبيب بالحرم ، والهجو. ومدح من لا يستحق المدح ونحو ذلك ، ولهذا قال : (وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ) أي لأنهم لم يقصدوه. وإنما ألجأهم إليه الفن الذي سلكوه فأكثر أقوالهم لا حقائق لها ، انظر إلى مقامات الحريري وما اصطنع فيها من الحكايات ، وابتدع بها من الأمور المعجبات. التي لا حقائق لها ، وقد جعلها أهل الاتحاد أصلا لبدعتهم الكافرة ، وقاعدة لصفقتهم الخاسرة ، فما أظهر حالهم ، وأوضح ضلالهم! وهذا بخلاف القرآن فإنه معان جليلة محققة ، في ألفاظ متينة جميلة منسقة ، وأساليب معجزة مفحمة ، ونظوم معجبة محكمة ، لا كلفة في شيء منها ، فلا رغبة لذي طبع سليم عنها ، فأنتج ذلك أنه لا يتبعهم على أمرهم إلا غاو مثلهم ، ولا يزهد في هذا القرآن إلا من طبعه جاف ، وقلبه مظلم مدلهم.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
