مضمونه وحققه بقوله : (كَذلِكَ) أي مثل هذا السلك العجيب ـ الذي هو سماع وفهم ظاهري ـ في صعوبة مدخله وضيق مدرجه.
ولما لم يكن السياق مقتضيا لما اقتضاه سياق الحجر من التأكيد ، اكتفى بمجرد الحدوث فقال : (سَلَكْناهُ) أي كلامنا والحق الذي أرسلنا به رسلنا بما لنا من العظمة ، في قلوبهم ـ هكذا كان الأصل ، ولكنه علق الحكم بالوصف ، وعم كل زمن وكل من اتصف به فقال : (فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ) أي الذين طبعناهم على الإجرام ، وهو القطيعة لما ينبغي وصله ، كما ينظم السهم إذا رمي به ، أو الرمح إذا طعن به في القلب ، لا يتسع له ، ولا ينشرح به ، بل تراه ضيقا حرجا.
ولما كان هذا المعنى خفيا ، بينه بقوله : (لا يُؤْمِنُونَ بِهِ) أي من أجل ما جبلوا عليه من الإجرام ، وجعل على قلوبهم من الطبع والختام (حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ) فحينئذ يؤمنون حيث لا ينفعهم الإيمان ويطلبون الأمان حيث لا أمان.
ولما كان إتيان الشر فجاءة أشد. وكان أخذه لهم عقب رؤيتهم له من غير مهلة يحصل فيها نوع استعداد أصلا ، دل على ذلك مصورا لحاله بقوله دالّا بالفاء على الأشدية والتعقيب : (فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً).
ولما كان البغت الإتيان على غفلة ، حقق ذلك نافيا للتجوز بقوله : (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) ودل على تطاوله في محالهم ، وجوسه لخلالهم ، وتردده في حلالهم ، بقوله دالّا على ما هو أشد عليهم من المفاجأة بالإهلاك : (فَيَقُولُوا) أي تأسفا واستسلاما وتلهفا في تلك الحالة لعلمهم بأنه لا طاقة به بوجه : (هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ) أي مفسوح لنا في آجالنا لنسمع ونطيع.
ولما حقق أن حالهم عند الأخذ الجؤار بالذل والصفار به ، تسبب عنه ما يستحقون باستعجاله من الإنكار في قوله ، منبها على أن قدره يفوق الوصف بنون العظمة : (أَفَبِعَذابِنا) أي وقد تبين لهم كيف كان أخذه للأمم الماضية ، والقرون الخالية ، والأقوام العاتية! (يَسْتَعْجِلُونَ) أي بقولهم : أمطر علينا حجارة من السماء ، أسقط السماء علينا كسفا ، ائت بالله والملائكة قبيلا ، كما قال هؤلاء الذين قصصنا أمرهم ، وتلونا ذكرهم (فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ) ونحو ذلك.
ولما تصورت حالة مآبهم ، في أخذهم بعذابهم ، وكان استعجالهم به يتضمن الاستخفاف والتكذيب والوثوق بأنهم ممتعون ، وتعلق آمالهم بأن تمتيعهم بطول زمانه ، وكان من يؤذونه يتمنى لو عجل لهم ، سبب عن ذلك سبحانه سؤال داعيهم مسليا
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
