يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) [طه : ١١٤](لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) [القيامة : ١٦].
ولما كان السياق في هذه السورة للتحذير ، قال معللا للجملة التي قبله : (لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) أي المخوفين المحذرين لمن أعرض عن الإيمان ، وفعل ما نهى عنه من العصيان.
ولما كان القصد من السورة التسلية عن عدم إيمانهم بأنه لسفول شأنهم ، لا لخلل في بيانه ، ولا لنقص في شأنه ، قال تعالى موضحا لتمكنه من قبله : (بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ).
ولما كان في العربي ما هو حوشي لفظا أو تركيبا ، مشكل على كثير من العرب ، قال : (مُبِينٍ) أي بين في نفسه كاشف لما يراد منه غير تارك لبسا عند من تدبره حق تدبره على ما يتعارفه العرب في مخاطباتها ، من سائر لغاتها ، بحقائقها ومجازاتها على اتساع إراداتها ، وتباعد مراميها في محاوراتها ، وحسن مقاصدها في كناياتها واستعاراتها ، ومن يحيط بذلك حق الإحاطة غير العليم الحكيم الخبير البصير ، وإنما كانت عربيته وإبانته موضحة لسبقه قلبه ، لأن من تكلم بلغته ـ فكيف بالبين منها ـ تسبق المعاني الألفاظ إلى قلبه ، فلو كان أعجميا لكان نازلا على السمع ، لأنه يسمع أجراس حروف لا يفهم معانيها ؛ قال الكشاف : وقد يكون الرجل عارفا بعدة لغات ، فإذا كلم بلغته التي لقنها أولا ونشأ عليها وتطبع بها لم يكن قلبه إلا إلى المعاني ، ولا يكاد يفطن للألفاظ ، وإن كلم بغيرها وإن كان ماهرا فيها كان نظره أولا في ألفاظها ثم في معانيها ـ انتهى. ففيه تقريع عظيم لمن يعرف لسان العرب ولا يؤمن به.
ولما كان الاستكثار من الأدلة مما يسكن النفوس ، وتطمئن به القلوب ، قال تعالى : (وَإِنَّهُ) أي هذا القرآن أصوله وكثير من قصصه وأمهات فروعه (لَفِي زُبُرِ) أي كتب (الْأَوَّلِينَ) المضبوطة الظاهرة في كونها أتت من السماء إلى أهلها الذين سكنت النفوس إلى أنه أتتهم رسل ، وشرعت لهم شرائع نزلت عليهم بها كتب من غير أن يخالط هذا الذي جاء به أحدا منهم أو من غيرهم في علم ما ، وكان ذلك دليلا قاطعا على أنه ما أتاه به إلا الله تعالى.
ولما كان التقدير : ألم يكن لهم أمارة على صدق ذلك أن يطلبوا تلك الزبر فينظروا فيذوقوا ذلك منها ليضلوا إلى حق اليقين؟ عطف عليه قوله : (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ).
ولما كان هذا أسلوب الاستدلال ، اقتضى تقديم الخبر على الاسم في قراءة الجمهور بالتذكير والنصب ، فقال بعد تقديم لما اقتضاه من الحال : (آيَةً) أي علامة
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
