ولما كان من أتى بعد هذه الأمم كقريش ومن تقدمهم قد علموا أخبارهم ، وضموا إلى بعض الأخبار نظر الديار ، والتوسم في الآثار قال معجبا من حالهم في ضلالهم : (وَما) أي والحال أنه ما (كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ).
ولما كان في ذلك إشارة إلى الإنذار بمثل ما حل بهم من الدمار ، أتبعه التصريح بالتخويف والإطماع فقال : (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ) أي وحده (الْعَزِيزُ) أي في بطشه بأعدائه (الرَّحِيمُ) في لطفه بأوليائه ، ورفقه بأعدائه ، بإرسال الرسل ، وبيان كل مشكل ؛ ثم وصل بذلك دليله ، فقال مذكرا الفعل لشدة كفرهم بدليل ما يأتي من إثبات الواو في (وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا : كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ) أي الغيضة ذات الأرض الجيدة التي تبتلع الماء فتنبت الشجر الكثير الملتف (الْمُرْسَلِينَ) لتكذيبهم شعيبا عليهالسلام فيما أتى به من المعجزة السماوية في خرق العادة وعجز المتحدّين بها عن مقاومتها ـ لبقية المعجزات الآتي بها الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام (إِذْ قالَ لَهُمْ).
ولما كانوا أهل بدو وكان هو عليهالسلام قرويا ، قال : (شُعَيْبٌ) ولم يقل : أخوهم ، إشارة إلى أنه لم يرسل نبيا إلا من أهل القرى ، تشريفا لهم لأن البركة والحكمة في الاجتماع ، ولذلك نهى النبي صلىاللهعليهوسلم عن التعرب بعد الهجرة ، وقال : «من يرد الله به خيرا ينقله من البادية إلى الحاضرة» (١). (أَلا تَتَّقُونَ) أي تكونون من أهل التقوى ، وهي المخافة من الله سبحانه وتعالى.
ولما كان كأنه قيل : ما لك ولهذا؟ قال : (إِنِّي) وأشار إلى تبشيرهم إن أطاعوه بقوله : (لَكُمْ رَسُولٌ) أي من الله ، فهو أمرني أن أقول لكم ذلك (أَمِينٌ) أي لا غش عندي ولا خداع ولا خيانة ، فلذلك أبلغ جميع ما أرسلت به ، ولذلك سبب عنه قوله : (فَاتَّقُوا اللهَ) أي المستحق لجميع العظمة ، وهو المحسن إليكم بهذه الغيضة وغيرها (وَأَطِيعُونِ) أي لما ثبت من نصحي.
ولما قدم ما هو المقصود بالذات. عطف على خبر (إِنْ) قوله : (وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) نفيا لما ينفر عنه ؛ ثم زاد في البراءة مما يوكس من الطمع في أحد من لخلق فقال : (إِنْ) أي ما (أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ) أي المحسن إلى الخلائق كلهم ، فأنا لا أرجو أبدا أحدا يحتاج إلى الإحسان إليه ، وإنما أعلق أملي بالمحسن الذي
__________________
(١) أخرج البخاري ٧٠٨٧ عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أنه دخل على الحجاج فقال : يا ابن الأكوع ارتددت على عقبيك تعربت قال : «لا ولكن رسول الله صلىاللهعليهوسلم أذن لي بالبدو» وهذا بداهة يدل على أنه علم بالنهي المذكور.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
