أي جواد كريم من قولهم : يد هضوم ـ إذا كانت تجود بما لديها ، وتفسيره بذلك يجمع أقوال العلماء ، وإليه يرجع ما قال أبو عبد الله القزاز معناه أنه قد هضم ـ أي ضغط ـ بعضه بعضا لتراكمه ، فإنه لا يكون كذلك إلا وهو كثير متقارب النضد ، لا فرج بينه ، ولطيف لين هش طيب الرائحة ، من الهضم بالتحريك ، وهو خمس البطن ولطف الكشح ؛ والهاضم وهو ما فيه رخاوة ، والهضم : البخور ، والمهضومة : طيب يخلط بالمسك واللبان ؛ قال الرازي في اللوامع : أو يانع نضيج لين رخو ومتهشم متفتت إذا مس ، أو يهضم الطعام ، وكل هذا يرجع إلى لطافته.
ولما ذكر اللطيف من أحوالهم ، أتبعه الكثيف من أفعالهم ، فقال عطفا على (أَتُتْرَكُونَ) أو مبينا لحال الفاعل في (آمِنِينَ : وَتَنْحِتُونَ) أي والحال أنكم تنحتون إظهارا للقدرة (مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ) أي مظهرين النشاط والقوة ، تعظما بذلك وبطرا ، لا لحاجتكم إلى شيء من ذلك (فَاتَّقُوا) أي فتسبب عن ذلك أني أقول لكم : اتقوا (اللهَ) الذي له جميع العظمة بأن تجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية باتباع أوامره ، واجتناب زواجره (وَأَطِيعُونِ) أي في كل ما آمركم به وأنهاكم عنه. فإني لا آمركم إلا بما يصلحكم فيكون سببا لحفظ ما أنتم فيه وتزدادون (وَلا تُطِيعُوا).
ولما كان الانقياد للآمر إنما هو بواسطة ما ظهر من أمره قال : (أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ) أي المتجاوزين للحدود الذين صار لهم ذلك خلقا : ثم وصفهم بما بين إسرافهم ، وهو ارتكاب الفساد الخالص المصمت الذي لا صلاح معه فقال : (الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) أي يعملون ما يؤدي إلى الفساد لكونه غير محكم باستناده إلى الله.
ولما كان ربما ادعى في بعض الفساد أن فيه صلاحا ، نفى ذلك بقوله : (وَلا يُصْلِحُونَ) أي لأنهم أسسوا أمرهم على الشرط فصاروا بحيث لا يصلح لهم عمل وإن تراءى غير ذلك ، أو أن المعنى أن المسرف من كان عريقا في الإسراف بجمع هذين الأمرين.
ولما دعا إلى الله تعالى بما لا خلل فيه ، فعلموا أنهم عاجزون عن الطعن في شيء منه ، عدلوا إلى التخييل على عقول الضعفاء بأن (قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) أي الذين بولغ في سحرهم مرة بعد مرة مع كونهم آدميين ذوي سحور ، وهي الرئات ، فأثر فيك السحر حتى غلب عليك ؛ ونقل البغوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن معناه : من المخلوقين المعللين بالطعام والشراب ، يقال : سحره أي علله بالطعام والشراب. ويؤيده تفسيره بقولهم إشارة إلى أنه لا يصلح للرسالة : (ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا) أي فما وجه خصوصيتك عنا بالرسالة ، وهل يكون الرسول من البشر ، وإتباعهم الوصف
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
