الشيطان ، وليس بربنا ، ولن نؤمن به ولن نصدق ، وأشرب فرقة في قلوبهم الصدق بما قال السامري في العجل وأعلنوا التكذيب به ـ الحديث.
ثم سبب عن إخباره سبحانه له بذلك قوله : (فَرَجَعَ مُوسى) أي لما أخبره ربه بذلك (إِلى قَوْمِهِ) أي الذين لهم قوة عظيمة على ما يحاولونه (غَضْبانَ أَسِفاً) أي شديد الحزن أو الغضب ؛ واستأنف قوله : (قالَ) لقومه لما رجع إليهم مستعطفا لهم : (يا قَوْمِ) وأنكر عليهم بقوله : (أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ) الذي طال إحسانه إليكم (وَعْداً حَسَناً) أي بأنه ينزل عليكم كتابا حافظا ، ويكفر عنكم خطاياكم ، وينصركم على أعدائكم ـ إلى غير ذلك من إكرامه.
ولما جرت العادة بأن طول الزمان ناقض للعزائم ، مغير للعهود ، كما قال أبو العلاء أحمد بن سليمان المعري في هذا البيت :
|
لا أنسينك إن طال الزمان بنا |
|
وكم حبيب تمادى عهده فنسي |
وكان عليه الصلاة والسّلام قريب العهد بهم ، أنكر طول العهد بقوله ، مستأنفا عما تقديره : هل ترك ربكم مواعيده لكم وقطع معروفه عنكم : (أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ) أي زمن لطفه بكم ، فتغيرتم عما فارقتكم عليه كما يعتري أهل الرذائل الانحلال في العزائم لضعف العقول وقلة التدبر (أَمْ أَرَدْتُمْ) بالنقض مع قرب العهد وذكر الميثاق (أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ) بسبب عبادة العجل (غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ) أي المحسن إليكم ، وكلا الأمرين لم يكن ، أما الأول فواضح ، وأما الثاني فلا يظن بأحد إرادته ، والحاصل أنه يقول : إنكم فعلتم ما لا يفعله عاقل (فَأَخْلَفْتُمْ) أي فتسبب عن فعلكم ذلك أن أخلفتم (مَوْعِدِي) في إجلال الله والإتيان إلى الموضع الذي ضربه لكم لكلامه لي وإنزال كتابه عليّ إحسانا إليكم وإقبالا عليكم ، وكأنه أضاف الموعد إليه أدبا مع الله تعالى وإعظاما له ، أو أنه لما كان إخلاف الموعد المؤكد المعين الذي لا شبهة فيه ، لما نصب عليه من الدلائل الباهرة ، وأوضحه من البراهين الظاهرة ، لا يكون إلا بنسيان لطول عهد ، أو عناد بسوء قصد ، وكان من أبلغ المقاصد وأوضح التقرير إلجاء الخصم بالسؤال إلى الاعتراف بالمراد ، سألهم عن تعيين أحد الأمرين مع أن طول العهد لا يمكن ادعاؤه ، فقال ما معناه : أطال عليكم العهد بزيادة عشرة أيام فنسيتم فلم يكن عليكم في الإخلاف جناح؟ أم أردتم أن يحل عليكم الغضب فعاندتم؟ فكانت الآية من الاحتباك : ذكر طول العهد الموجب للنسيان أولا دليل على حذف العناد ثانيا ، وذكر حلول الغضب ثانيا دليل على انتفاء الجناح أولا ، وسر ذلك أن ذكر السبب الذي هو طول العهد أدل على النسيان الذي هو المسبب ، وإثبات الغضب ـ وهو المسبب ـ أنكأ من إثبات سببه الذي هو العناد.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
