ينحي من هوله ، فدل صنيعه على أن تقديم الثناء على السؤال أمر مهم ، وله في الإجابة أثر عظيم ، فقال ملتفتا إلى مقام المشاهدة إشارة إلى أن الأمر مهول ، وأنه لا ينقذ من خطره إلا عظيم القدرة ، لما طبعت عليه النفس من النقائص : (رَبِ) أي أيها المحسن إليّ (هَبْ لِي حُكْماً) أي عملا متقنا بالعلم ، وأصله بناء الشيء على ما توجبه الحكمة ، ولما كان الاعتماد إنما هو على محض الكرم ، فإن من نوقش الحساب عذب ، قال : (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) أي الذين جعلتهم أئمة للمتقين في الدنيا والآخرة ، وهم من كان قوله وفعله صافيا عن شوب فساد.
ولما كان الصالح قد لا يظهر عمله ، وكان إظهار الله له مجلبة للدعاء وزيادة في الأجر ، قال : (وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ) أي ذكرا جميلا ، وقبولا عاما ، وثناء حسنا ، بما أظهرت مني من خصال الخير (فِي الْآخِرِينَ) أي الناس الذين يوجدون بعدي إلى يوم الدين ، لأكون للمتقين إماما ، فيكون لي مثل أجورهم ، فإن «من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» (١) وقد كان ذلك إجابة من الله تعالى لدعائه ، ومن أعظمه أن جعله الله شجرة مباركة فرع منها الأنبياء الذين أحيى بهم عليهم الصلاة والسّلام ذكره الذي من أعظمه ما كان على لسان أعظمهم النبي الأمي صلىاللهعليهوسلم من قوله : «صل على محمد كما صليت على إبراهيم» (٢) إلى آخره.
ولما طلب سعادة الدنيا ، وكانت لا نفع لها إلا باتصالها بسعادة الآخرة التي هي الجنة ، وكانت الجنة لا تنال إلا بمنه ، لا بشيء من ذلك ، ولذلك شبه إدخالها بالإرث الذي يحصل بغير اكتساب من الوارث وهو أقوى أسباب الملك ، قال : (وَاجْعَلْنِي) أي مع ذلك كله بفضلك ورحمتك (مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ).
ولما دعا لنفسه ، ثنى بأحق الخلق ببره فقال : (وَاغْفِرْ لِأَبِي) ثم علل دعاءه بقوله : (إِنَّهُ كانَ) في أيام حياته (مِنَ الضَّالِّينَ) والظاهر أن هذا كان قبل معرفته بتأبيد شقائه ، ولذلك قال : (وَلا تُخْزِنِي) أي تهني بموته على ما يوجب دخوله النار ولا بغير ذلك (يَوْمَ يُبْعَثُونَ) أي هؤلاء المنكرون للبعث ، وكأن هذا الدعاء كان
__________________
(١) أخرجه أحمد ٤ / ٣٥٧ ، ٣٥٨ ، ٣٥٩ ومسلم ١٠١٧ والترمذي ٢٦٧٥ والنسائي ٥ / ٧٥ و٧٧ وابن ماجة ٢٠٣ وابن حبان ٣٣٠٨ والطبراني ٢٣٧٢ و٢٣٧٥ والبيهقي ٤ / ١٧٥ والبغوي ١٦٦١ والطحاوي ٢٤٤ كلهم عن جرير رضي الله تعالى عنه.
(٢) هذا جزء من الحديث المشهور الذي أخرجه البخاري ٤٧٩٧ ومسلم ٤٠٦ وأحمد ٤ / ٢٤٤ وأبو داود ٩٧٨ والترمذي ٤٨٣ والنسائي ٣ / ٤٧ وابن ماجه ٩٠٤ وغيرهم عن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
