أي مطيفين بها على سبيل المواظبة متراكمين بعضنا خلف بعض حابسين أنفسنا تعظيما لها ، فجروا على منوال هؤلاء في داء التقليد الناشىء عن الجهل بنفس العبادة وبظنهم مع ذلك أنهم على طائل كبير ، وأمر عظيم ، ظفروا به ، مع غفلة الخلق عنه ـ كما دل عليه خطابهم في هذا الكلام الذي كان يغني عنه كلمة واحدة ، وهذا هو الذي أوجب تفسير الظلول بمطلق الدوام وإن كان معناه الدوام بقيد النهار ، وكأنهم قصدوا بما يدل على النهار ـ الذي هو موضع الاشتغال والسهرة ـ الدلالة على الليل من باب الأولى ، مع شيوع استعماله أيضا مطلقا نحو «فظلت أعناقهم لها خاضعين» ، وزاد قوم إبراهيم عليهالسلام أن استمروا على ضلالهم وأبوه معهم فكانوا حطب النار ، ولم يتمكن من إنقاذهم من ذلك ، ولم تكن لهم حيلة إلا دعاؤهم ، فهو أجدر بشديد الحزن وببخع نفسه عليهم وهو موضع التسلية.
ولما فهم عنهم هذه الرغبة ، أخذ يزهدهم فيها بطريق الاستفهام الذي لا أنصف منه عن أوصاف يلجئهم السؤال إلى الاعتراف بسلبها عنهم ، مع علم كل عاقل إذا تعقل أنه لا تصح رتبة الإلهية مع فقد واحدة منها ، فكيف مع فقدها كلها؟ فقال تعالى مخبرا عنه : (قالَ) معبرا عنها إنصافا بما يعبر به عن العقلاء لتنزيلهم إياها منزلتهم : (هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ) أي دعاءكم مجرد سماع ؛ ثم صور لهم حالهم ليمعنوا الفكر فيه ، فقال معبرا بظرف ماض وفعل مضارع تنبيها على استحضار جميع الزمان ليكون ذلك أبلغ في التبكيت : (إِذْ تَدْعُونَ) أي استحضروا أحوالكم معهم من أول عبادتكم لهم وإلى الآن : هل سمعوكم وقتا ما؟ ليكون ذلك مرجيا لكم لحصول نفع منهم في وقت ما.
ولما كان الإنسان قد يعكف على الشيء ـ وهو غير سامع ـ لكن لنفعه له في نفسه أو ضره لعدوه كالنار مثلا ، وكان محط حال العابد والداعي بالقصد الأول بالذات جلب النفع ، قال : (أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ) أي على العبادة كما ينفع أقل شيء تقتنونه (أَوْ يَضُرُّونَ) على الترك (قالُوا :) لا والله! ليس عندهم شيء من ذلك (بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ) أي مثل فعلنا هذا العالي الشأن ؛ ثم صوروا حالة آبائهم في نفوسهم تعظيما لأمرهم فقالوا : (يَفْعَلُونَ) أي فنحن نفعل كما فعلوا لأنهم حقيقون منا بأن لا نخالفهم ، مع سبقهم لنا إلى الوجود ، فهم أرصن منا عقولا ، وأعظم تجربة ، فلولا أنهم رأوا ذلك حسنا ، ما واظبوا عليه ، هذا مع أنهم لو سلكوا طريقا حسية حصل لهم منها ضرر حسي ما سلكوها قط ، ولكن هذا الدين يهون على الناس فيه التقليد بالباطل قديما وحديثا.
ولما وصلوا إلى التقليد المحض الخالي عن أدنى نظر كما تفعل البهائم والطير في تبعها لأولها (قالَ) معرضا عن جواب كلامهم بنقص ، إشارة إلى أنه ساقط لا يرتضيه
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
