(فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ) أي تبتلع في الحال بسرعة ونهمة (ما يَأْفِكُونَ) أي يصرفونه عن وجهه وحقيقته التي هي الجمادية بحيلهم وتخييلهم إلى ظن أنه حيات تسعى (فَأُلْقِيَ) أي عقب فعلها من غير تلبث (السَّحَرَةُ ساجِدِينَ) أي فسجدوا بسرعة عظيمة حتى كأن ملقيا ألقاهم بغير اختيارهم من قوة إسراعهم ، علما منهم بأن هذا من عند الله ، فأمسوا أتقياء بررة ، بعد ما جاؤوا في صبح ذلك اليوم سحرة.
ولما كان كأنه قيل : هذا فعلهم ، فما كان قولهم؟ قيل : (قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ) أي الذي دعا إليه موسى عليهالسلام أول ما تكلم ؛ ثم خصوه كشفا لتلبيس فرعون بما لا يحتمل غيره فقالوا بيانا : (رَبِ) ولم يدع داع هنا إلى العدول عن الأصل ، فقال عبارة عن كلامهم : (مُوسى وَهارُونَ) أي اللذين أحسنا إلينا بالتنبيه عليه ، والهداية إليه ، وصدقهما بما أجرى على أيديهما.
ولما خاف فرعون اتباع الناس لهم ، لما يرون مما هالهم من أمرهم ، وكان قد تقدم ما يعرف أن المنكر عليهم فرعون نفسه ، قال تعالى مخبرا عنه : (قالَ) من غير ذكر الفاعل ـ أي فرعون ـ لعدم اللبس ، ومقصود السورة غير مقتض للتصريح كما في الأعراف بل ملائم للإعراض عنه والإراحة منه ، منكرا مبادرا موهما لأنه إنما يعاقب على المبادرة بغير إذن ، لا على نفس الفعل ، وأنه ما غرضه إلا التثبت ليؤخر بهذا التخييل الناس عن المبادرة بالإيمان إلى وقت ما (آمَنْتُمْ لَهُ) أي لموسى عليهالسلام ، أفرده بالضمير لأنه الأصل في هذه الرسالة ، وحقيقة الكلام : أوقعتم التصديق بما أخبر به عن الله لأجله إعظاما له بذلك (قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ) أي في الإيمان ؛ ثم علل فعلهم بما يقتضي أنه عن مكر وخداع ، لا عن حسن اتباع ، فقال : (إِنَّهُ) أي موسى عليهالسلام (لَكَبِيرُكُمُ.)
ولما كان هذا مشعرا بنسبته له إلى السحر ، وأنه أعلم منهم به ، فلذلك غلبهم ، أوضحه بقوله : (الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) فتواعدتم معه على هذا الفعل ، لتنزعوا الملك من أربابه ، هذا وكل من سمعه يعلم كذبه قطعا ، فإن موسى عليهالسلام ما ربي إلا في بيته ، واستمرّ حتى فر منهم إلى مدين ، لا يعلم سحرا ، ولا ألم بساحر ، ولا سافر إلا إلى مدين ، ثم لم يرجع إلا داعيا إلى الله ، ولكن الكذب غالب على قطر مصر ، وأهلها أسرع شيء سماعا له وانقيادا به.
ولما أوقف السامعين بما خيلهم به من هذا الباطل المعلوم البطلان لكل ذي بصيرة ، أكد المنع بالتهديد فقال : (فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) أي ما أفعل بكم ، أي فتسبب عما فعلتم أني أعاقبكم عقوبة محققة عظيمة ، وأتى بأداة التنفيس خشية من أن لا يقدر
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
