اتباعه والكون في أثره للحلول في الأماكن التي حدها الله لهم وأمر السبعين المختارة بمثل ذلك ، وكأنهم لما مضى تلبثوا لما رأوا من مقام الجلال ، فلما مضت الثلاثون بعد ذهاب موسى لم يكن أتى الوقت الذي أراد الله أن تكون المناجاة فيه ، فزاده عشرا فظن بنو إسرائيل الظنون في تلك العشرة ، ووقع لهم ما وقع من اتخاذ العجل.
ولما كان ذلك ـ والله أعلم بما كان ، وكان أعظم ما مضى في آية الامتنان عليهم والتعرف بالنعم إليهم المواعدة لهدايتهم بالآيات المرئية والمسموعة ، وختم ذلك بالإشارة إلى الاجتهاد في الإقبال على الهدى ، أتبع ذلك ذكر ضلالهم بعد رؤية ما يبعد معه كل البعد إلمام من رآه بشيء من الضلال ، كل ذلك لإظهار القدرة التامة على التصرف في القلوب بضد ما يظن بها ، وكان تنجز المواعيد ألذ شيء للقلوب وأشهاه إلى النفوس ، وكان السياق مرشدا حتما إلى أن التقدير : فأتوا إلى الطور لميعادنا ، وتيمموا جانبه الأيمن بأمرنا ومرادنا ، وتعجل موسى صفينا الصعود فيه مبادرا لما عنده من الشوق إلى ذلك المقام الشريف وتأخر مجيء قومه عن الإتيان معه ، فقلنا : ما أخر قومك عن الإتيان معك؟ فعطف عليه قوله : (وَما أَعْجَلَكَ) أي أيّ شيء أوجب لك العجلة في المجيء (عَنْ قَوْمِكَ) وإن كنت بادرت مبادرة المبالغ في الاسترضاء ، أما علمت أن حدود الملوك لا ينبغي تجاوزها بتقدم ولا تأخر؟ (يا مُوسى) فهلا أتيتم جملة وانتظرتم أمرا جديدا بخصوص الوقت الذي استحضركم فيه (قالَ) موسى ظنا منه أنهم أسرعوا وراءه : (هُمْ) وأتى باسم الإشارة وأسقط منه هاء التنبيه لأنه لا يليق بخطاب الله ، قال ابن هبيرة : ولم أر أحدا من الأصفياء خاطب ربه بذلك ، وإنما خاطب به الكفار لغباوتهم (قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ) [النحل : ٨٦] في أمثالها وأما آخر الزخرف فقد ذكر التعبير بها في موضعه (أُولاءِ) أي هم في القرب بحيث يسار إليهم ، كائنين (عَلى أَثَرِي) أي ماشين على آثار مشيي قبل أن ينطمس لم أسبقهم إلا بشيء جرت العادة في السبق بمثله بين الرفاق ، هذا بناء منه على ما كان عهد إليهم ، وأكد فيه عليهم : ثم اعتذر عن فعله فقال : (وَعَجِلْتُ) أنا بالمبادرة (إِلَيْكَ) وجرى على عادة أهل القرب كما يحق له فقال : (رَبِ) أي أيها المسارع في إصلاح شأني والإحسان إليّ (لِتَرْضى) عني رضا أعظم مما كان (قالَ) الرب سبحانه : (فَإِنَّا) أي قد تسبب عن عجلتك عنهم أنا (قَدْ فَتَنَّا) أي خالطنا بعظمتنا مخالطة مميلة محيلة (قَوْمَكَ) بتعجلك.
ولما كانت الفتنة لم تستغرق جميع الزمن الذي كان بعده ، وإنما كانت في بعضه ،
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
