من سلطان المعجزة : (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ) أي هذه التي هي قوامكم (بِسِحْرِهِ) أي بسبب ما أتى به منه ، فإنه يوجب استتباع الناس فيتمكن مما يريد بهم ؛ ثم قال لقومه ـ الذين كان يزعم أنهم عبيده وأنه إلههم ـ ما دل على أنه خارت قواه ، فحط عن منكبيه كبرياء الربوبية ، وارتعدت فرائصه حتى جعل نفسه مأمورا بعد أن كان يدعي كونه آمرا بل إلها قادرا : (فَما ذا تَأْمُرُونَ) أي في مدافعته عما يريد بنا (قالُوا) أي الملأ الذين كانوا يأتمرون به قبل الهجرة ليقتلوه : (أَرْجِهْ) أي أخره (وَأَخاهُ) ولم يأمروا بقتله ولا بشيء مما يقاربه ـ فسجان من يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده فيها به كل شيء ولا يهاب هو غير خالقه (وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ) أي رجالا يحشرون السحرة ، وأصل الحشر الجمع بكرة (يَأْتُوكَ) وكأنهم فهموا شدة قلقه فسكنوه بالتعبير بأداة الإحاطة وصيغة المبالغة فقالوا : (بِكُلِّ سَحَّارٍ) أي بليغ السحر (عَلِيمٍ) أي متناه في العلم به بعد ما تناهى في التجربة ؛ وعبر بالبناء للمفعول إشارة إلى عظمة ملكه فقال : (فَجُمِعَ) أي بأيسر أمر لما له عندهم من العظمة (السَّحَرَةُ) كما تقدم غير مرة (لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) في زمانه ومكانه ، وهو ضحى يوم الزينة كما سلف في طه ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه وافق يوم السبت في أول يوم من سنتهم ، وهو يوم النيروز. (وَقِيلَ) أي بقول من يقبل لكونه عن فرعون (لِلنَّاسِ) أي كافة حثا لهم على الإسراع إلى الاجتماع بأمر فرعون ، وامتحانا لهم هل رجعوا عن دينه ، علما منه بأن ما ظهر من المعجزة ـ التي منها عجزه عن نوع أذى لمن واجهه بما لا مطمع في مواجهته بأدناه ـ لم يدع لبسا في أنه مربوب مقهور ، وأن ذلك موجب لاتباع موسى عليهالسلام : (هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ) أي اجتماعا أنتم راسخون فيه لكونه بالقلوب كما هو بالأبدان ، كلكم ليكون أهيب لكم ، وزين لهم هذا القائل البقاء على ما كانوا عليه من الباطل بذكر جانب السحرة وإن كان شرط فيه الغلبة ، ولم يسمح بذكر جانب موسى عليهالسلام فقال : (لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ) لأن من امتثل أمر الملك كان حاله حال من يرجى منه اتباع حزبه (إِنْ كانُوا هُمُ) أي خاصة (الْغالِبِينَ) أي غلبة لا يشك في أنها ناشئة عن مكنة ونعرض عن أمر موسى الذي تنازع الملك في أمره ، وهذا مرادهم في الحقيقة ، وعبر بهذا كناية عنه لأنه أدل على عظمة الملك ، وعبر بأداة الشك إظهارا للإنصاف ، واستجلابا للناس ، مع تقديرهم لقطعهم بظفر السحرة. لما رسخ في أذهانهم في الأزمنة المتطاولة من الضلال الذي لا غفلة لإبليس عن تزيينه مع أن تغيير المألوف أمر في غاية العسر. وقال : (فَلَمَّا) بالفاء إيذانا بسرعة حشرهم ، إشارة إلى ضخامة ملكه. ووفور عظمته (جاءَ السَّحَرَةُ) أي الذين كانوا في جميع بلاد مصر
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
