ولما كان ذلك باهرا للعقل منبها له في كل حال على عظيم اقتدار صانعه ، وبديع اختياره ، وصل به قوله : (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي الأمر العظيم من الإنبات ، وما تقدمه من العظات على كثرته (لَآيَةً) أي علامة عظيمة جدا لهم على تمام القدرة على البعث وغيره ، كافية في الدعاء إلى الإيمان ، والزجر عن الطغيان ، ولعله وحّدها على كثرتها إشارة إلى أن الدوالّ عليه متساوية الأقدام في الدلالة ، فالراسخون تغنيهم واحدة ، وغيرهم لا يرجعون لشيء (وَ) الحال أنه (ما كانَ) في الشاكلة التي خلقتهم عليها (أَكْثَرُهُمْ) أي البشر (مُؤْمِنِينَ) أي عريقين في الإيمان ، لأنه «ما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون» (وَإِنَ) أي والحال أن (رَبَّكَ) أي الذي أحسن إليك بالإرسال ، وسخر لك قلوب الأصفياء ، وزوى عنك اللد الأشقياء (لَهُوَ).
ولما كان المقام لإنزال الآية القاهرة ، قدم قوله : (الْعَزِيزُ) أي القادر على كل من قسرهم على الإيمان والانتقام منهم (الرَّحِيمُ) في أنه لم يعاجلهم بالنقمة ، بل أنزل عليهم الكتاب ترفقا بهم ، وبيانا لما يرضاه ليقيم به الحجة على من أريد للهوان ، ويقبل بقلوب من يختصه منهم للإيمان ، قال أبو حيان : والمعنى أنه عز في نقمته من الكفار ، ورحم مؤمني كل أمة ـ انتهى. ومن هنا شرع سبحانه وتعالى في تمثيل آخر الفرقان في إظهار القدرة بالبطش عند النقمة حيث لم يشكر النعمة بأن أبى المدعو الإجابة لدعوة الرسل ، وترك الداعي ـ عقب الانقياد من الشدائد ـ التضرع للمرسل ، وقص أخبار الأمم على ما هي عليه بحيث لم يقدر أحد من أهل الكتاب الذين هم بين ظهرانيهم على إنكار شيء من ذلك ، ومن ثم قرع أسماعهم ، أول شيء بقصتهم من فرعون ، وموسى عليهالسلام ، فصح قطعا أن هذا الكتاب جلي الأمر ، على القدر ، ليس بكهانة ، ولا شعر ، كما سيؤكد ذلك عند إظهار النتيجة في آخرها ، بل هو من عند رب العالمين ، على لسان سيد المرسلين ، وصح أن أكثر الخلق مع ذلك هالك وإن قام الدليل. ووضح السبيل. لأن سلك الذكر في قلوبهم شبيه في الضيق بنظم السهم فيما يرمى به ، وصح أنه سبحانه يملي لهم وينعم عليهم بما فيه حياة أديانهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، وما فيه حياة أبدانهم بالإيتاء من كل ما يحتاجونه إظهارا لصفة الرحمة. ثم ينتقم منهم بعد طول المهلة ، وتماديهم في سكرات الغفلة ، كشفا لصفة العزة ، كل ذلك تسلية له صلىاللهعليهوسلم وتخفيفا وإعلاما بأنه لا قصور في بيانه ، ولا تقصير لديه.
ولما اقتضى وصف العزة الإهلاك ، ووصف الرحمة الإمهال ، وكان الأول مقدما ، وكانت عادتهم تقديم ما هم به أهم ، وهو لهم أعنى ، خيفت غائلته ، فأتبع ذلك أخبار هذه الأمم ، دلالة على الوصفين معا ترغيبا وترهيبا ، ودلالة على أن الرحمة سبقت
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
