جزاء ما أتبع نفسه هواها بما فيه من الحرارة الشيطانية ـ هذا في قراءة ابن عامر وأبي بكر عن عاصم بالرفع وهو بدل «يلق» في قراءة الجماعة ، لأنهما تؤولان إلى معنى واحد ، ومضاعفة العذاب ـ والله أعلم ـ إتيان بعضه في أثر بعض بلا انقطاع كما كان يضاعف سيئته كذلك ، وقراءة ابن كثير وأبي جعفر وابن عامر ويعقوب بالتشديد تفيد مطلق التعظيم للتضعيف ، وقراءة الباقين بالمفاعلة تقتضيه بالنسبة إلى من يباري آخر فيه فهو أبلغ. الخامس : التهويل بقوله : (يَوْمَ الْقِيامَةِ) الذي هو أهول من غيره بما لا يقايس. السادس : الإخبار بالخلود الذي هو أول درجاته أن يكون مكثا طويلا ، فقال عاطفا في القراءتين على يضاعف : (وَيَخْلُدْ فِيهِ.) السابع : التصريح بقوله : (مُهاناً) ولعله للاحتراز عما يجوز من أن بعض عصاة هذه الأمة ـ الذين يريد الله تعذيبهم ـ يعلمون أنهم ينجون ويدخلون الجنة ، فتكون إقامتهم ـ مع العلم بالمآل ـ ليست على وجه الإهانة ، فلما عظم الأمر من هذه الأوجه ، علم أن كلّا من هذه الذنوب كبير ، وإذا كان الأعم كبيرا ، كان الأخص المذكور أعظم من مطلق الأعم ، لأنه زاد عليه بما صار به خاصا ، فثبت بهذا أنها كبائر ، وأن قتل الولد والزنى بحليلة الجار أكبر لما ذكر ، فوضح وجه تصديق الآية للخبر ، ولا يقال : إن الإشارة ترجع إلى المجموع ، فالتهويل خاص بمن ارتكب مجموع هذه الذنوب لأنا نقول : السياق يأباه ، لأن تكرار «لا» أفاد ـ كما حققه الرضي ـ ورود النفي على وقوع الخصال الثلاث حال الاجتماع والانفراد ، فالمعنى : لا يوقعون شيئا منها ، فكان معنى (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ) : ومن يفعل شيئا من ذلك ـ ليرد الإثبات على ما ورد عليه النفي ، فيحصل التناسب ، وأما عدم منافاة الآية للترتيب فمن وجهين : الأول أن الأصل في التقديم الاهتمام بما سبقت له الآية ، وهو التنفير المفيد للتغليظ ، فيكون كل واحد منها أعلى مما بعده. الثاني أن الواو لا تنافيه ، وقد وقعت الأفعال مرتبة في الذكر كما رتبت في الحديث ب «ثم» فيكون مرادا بها الترتيب ـ والله الهادي.
ولما أتم سبحانه تهديد الفجار ، على هذه الأوزار ، أتبعه ترغيب الأبرار ، في الإقبال على الله العزيز الغفار ، فقال : (إِلَّا مَنْ تابَ) أي رجع إلى الله عن شيء مما كان فيه من هذه النقائص (وَآمَنَ) أي أوجد الأساس الذي لا يثبت عمل بدونه وهو الإيمان ، أو أكد وجوده (وَعَمِلَ.) ولما كان الرجوع عنه أغلظ ، أكد فقال : (عَمَلاً صالِحاً) أي مؤسسا على أساس الإيمان ؛ ثم زاد في الترغيب بالإتيان بالفاء ربطا للجزاء بالشرط دليلا على أنه سببه فقال : (فَأُوْلئِكَ) أي العالو المنزلة (يُبَدِّلُ اللهُ) وذكر الاسم الأعظم تعظيما للأمر وإشارة إلى أنه سبحانه لا منازع له (سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ) أي بندمهم
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
