يصاهر ـ أي يخالط بها إلى الذكر ، فقسم هذا الماء بعد التطوير إلى ذكر وأنثى كما جعل ذلك الماء قسمين : عذبا وملحا ، وخلط ماء الذكر بماء الأنثى متى أراد فصور منه آدميا ، ومنعه من ذلك إذا أراد ، كما أنه ميز بين العذب والملح ويخلط بينهما إذا أراد بعلمه الشامل وقدرته التامة (وَكانَ رَبُّكَ) أي المحسن إليك بإرسالك وإنزال هذا الذكر إليك (قَدِيراً) على كل شيء قدرته على ما ذكر من إبداع هذه الأمور المتباعدة من مادة واحدة فهو يوفق من يشاء فيجعله عذب المذاق ، سهل الأخلاق ، ويخذل من يشاء فيجعله مرير الأخلاق كثير الشقاق ، أو ملتبس الأخلاق ، عريقا في النفاق ، فارغب إلى هذا الرب الشامل القدرة ، التام العلم.
ولما أثبت له بهذه الأدلة القدرة على كل شيء ، قال معجبا منهم في موضع الحال من «ربك» عودا إلى تهجين سيرتهم في عبادة غيره ، معبرا بالمضارع ، إشارة إلى أنهم لو فعلوا ذلك مرة لكان في غاية العجب ، فكيف وهو على سبيل التجديد والاستمرار؟ ومصورا لحالهم زيادة في تبشيعها : (وَيَعْبُدُونَ) أي الكفرة (مِنْ دُونِ) أي ممن يعلمون أنه في الرتبة دون (اللهِ) المستجمع لصفات العظمة ، بحيث إنه لا ضر ولا نفع إلا وهو بيده.
ولما كان هذا السياق لتعداد نعمه سبحانه ، وكان الحامل للإنسان على الإذعان رجاء الإحسان ، أو خوف الهوان ، وكان رجاء الإحسان مقبلا به إلى المحسن في السر والإعلان ، قدم النفع فقال : (ما لا يَنْفَعُهُمْ) أي بوجه.
ولما كان الخوف إنما يوجب الإقبال ظاهرا فقط ، أتبعه قوله : (وَلا يَضُرُّهُمْ) أي أصلا في إزالة نعمة من نعم الله عنهم ، فلا أسخف عقلا ممن يترك من بيده كل نفع وضر وهو يتقلب في نعمه ، في يقظته ونومه ، وأمسه ويومه ، ويقبل على من لا نفع بيده ولا ضر أصلا ؛ وأظهر في موضع الضمير بيانا للوصف الحامل على ما لا يفعله عاقل ، وأفرد تحقيرا لهم فقال : (وَكانَ الْكافِرُ) مع علمه بضعفه وعجزه.
ولما كان الكافر لا يمكن أن يصافي مسلما ما دام كافرا ، وكانت مصافاته لغيره حاصلة إما بالفعل أو بالقوة ، عدت مصارمته لغيره عدما ، فكانت مصارمته خاصة بأولياء الله ، وكان ذلك أشد لذمه ، دل عليه بتقديم الجار فقال : (عَلى رَبِّهِ) أي المحسن إليه لا غيره (ظَهِيراً) معينا لشياطين الإنس والجن على أولياء الله ، والتعبير ب «على» دال على أنه وإن كان مهينا في نفسه حقيرا فاعل فعل العالي على الشيء القوي الغليظ الغالب له ، المعين عليه ، من قولهم : ظهر الأرض لما علا منها وغلظ ، وأمر ظاهر لك ، أي غالب ، والظاهر : القوي والمعين ، وذلك لأنه يجعل لما يعبده من الأوثان
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
