ولما وصف المتعنتين في أمر القرآن بهذا الوصف ، استأنف الإخبار بأنهم متصفون بما ألزموا به من أن الإتيان بالقرآن مفرقا وضع للشيء في غير موضعه فقال : (أُوْلئِكَ) أي البعداء البغضاء (شَرٌّ) أي شر الخلق (مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً) حيث عموا عن طريق الجنة التي لا أجلى منها ولا أوسع ، وسلكوا طريق النار التي لا أضيق منه ولا أوعر ، وعموا عن أن إنزال القرآن نجوما أولى لما تقدم من اللطائف وغيرها مما لا يحيط به إلا الله تعالى ، «و (سَبِيلاً») تمييز محول عن الفاعل أصله : ضل سبيلهم ، وإسناد الضلال إليه من الإسناد المجازي.
ولما بين أنهم كذبوه وعادوه ، وأشار بآية الحشر إلى جهنم إلى أنه لا يهلكهم بعامة ، عطف على عامل (لِنُثَبِّتَ) تسلية له وتخويفا لهم قوله : (وَلَقَدْ آتَيْنا) أي بما لنا من العظمة (مُوسَى الْكِتابَ) كما آتيناك ، بينا فيه الشرائع والسنن والأحكام ، وجعلناه هدى ورحمة ، وأنزلناه إليه منجما في نحو عشرين سنة يقال : إنها ثمان عشرة كما أنزلنا إليك هذا القرآن في نيف وعشرين سنة ، كما بينت ذلك في آخر سورة النساء وغيرها ، على أن أحدا ممن طالع التوراة لا يقدر على إنكار ذلك ، فإنه بيّن من نصوصها. وزاد في التسلية بذكر الوزير ، لأن الرد للاثنين أبعد ، وفيه إشارة إلى أنه لا ينفع في إيمانهم إرسال ملك كما اقترحوا ليكون معه نذيرا ، فقال : (وَجَعَلْنا) بما لنا من العظمة (مَعَهُ أَخاهُ) ثم بينه بقوله : (هارُونَ) وبين محط الجعل بقوله : (وَزِيراً) أي معينا في كل أمر بعثناه به ، وهو مع ذلك نبي ، ولا تنافي بين الوزارة والنبوة.
ولما كانت الواو لا ترتب ، فلم يلزم من هذا أن يكون هذا الجعل بعد إنزال الكتاب كما هو الواقع ، رتب عليه قوله : (فَقُلْنَا) أي بعد جعلنا له وزيرا. ولما كان المقصود هنا من القصة التسلية والتخويف ، ذكر حاشيتها أولها وآخرها ، وهما إلزام الحجة والتدمير ، فقال : (اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ) أي الذين فيهم قوة وقدرة على ما يعانونه وهم القبط (الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) أي المرئية والمسموعة من الأنبياء الماضين قبل إتيانكما في علم الشهادة ، والمرئية والمسموعة منكما بعد إتيانكما في علمنا. فذهبا إليهم فكذبوهما فيما أرياهم وأخبراهم به من الآيات ، لما طبعناهم عليه من الطبع المهيىء لذلك.
ولما كان السياق للإنذار بالفرقان ، طوي أمرهم إلا في عذابهم فقال : (فَدَمَّرْناهُمْ) أي لذلك (تَدْمِيراً) بإغراقهم أجمعين عل يد موسى عليهالسلام في البحر ، لم نبق منهم أحدا مع ما أصبناهم به قبل ذلك من المصائب ، مع اجتهاد موسى عليهالسلام في إحيائهم بالإيمان ، الموجب لإبقائهم في الدارين ، عكس ما فعلنا بموسى عليهالسلام من
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
