ولما ذكر لهم حالهم في الساعة معه سبحانه ، أتبعه ذكر حالهم مع معبوداتهم من دونه ، فقال بالالتفات إلى مظهر العظمة على قراءة الجماعة : (وَيَوْمَ) أي قل لهم ما أمرتك به ، واذكر لهم يوم (يَحْشُرُهُمْ) أي المشركين ، بما لنا من العظمة التي نبرزها في ذلك اليوم ، من القبور ؛ وقرأ أبو جعفر وابن كثير ويعقوب وحفص عن عاصم بالياء التحتية فيكون الضمير للرب (وَما يَعْبُدُونَ) أي من الملائكة والإنس والجن وغيرهم ممن يعقل وممن لا يعقل ؛ ونبه على سفول رتبتهم عن ذلك وعدم أهليتهم بقوله : (مِنْ دُونِ اللهِ) أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له ، وذكرها بلفظ «ما» إشارة إلى أن ناطقها وصامتها جماد بل عدم بالنسبة إليه سبحانه بما أشار إليه التعبير بالاسم الأعظم الدال على جميع الكمال ، مع أن «ما» موضوع على العموم للعقلاء وغيرهم وإن كان أكثر استعماله في غير العقلاء ، وعبر سبحانه بقوله : (فَيَقُولُ) بإعادة ضمير الغيبة بعد التعبير بنون العظمة في «نحشر» في قراءة غير ابن عامر لتقدم الجلالة الشريفة ، تحقيقا للمراد وتصريحا به ، وإعلاما بأن المراد بالنون العظمة لا الجمع ، وقرأ ابن عامر بالنون موحدا الأسلوب : (أَنْتُمْ) أي أيها المعبودات! بإيلاء الهمزة الضمير سؤالا عن المضل ، لأن ضلال العبدة معروف لا يسأل عنه (أَضْلَلْتُمْ) بالقهر والخداع والمكر (عِبادِي هؤُلاءِ) حتى عبدوكم كما في الآية الأخرى (ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ) [سبأ : ٤٠] في أمثالها من الآيات كما في الحديث القدسي : إني خلقت عبادي حنفاء كلهم فاحتالهم الشياطين. (أَمْ).
ولما كان السؤال ـ كما مضى ـ عن الفاعل لا عن الفعل ، كان لا بد من قوله : (هُمْ) أي باختيار منهم لإهمالهم استعمال ما أعطيتهم من قويم العقل وسديد النظر (ضَلُّوا) وأوصل الفعل بدون «عن» كما في هداة الطريق بدون «إلى» لكثرة الدور ، وللإشارة إلى قوة الفعل فقال : (السَّبِيلَ) أي الذي نهجته ونصبت عليه الأدلة القاطعة ، والبراهين الساطعة (قالُوا) أي المعبودات الحي منهم والجماد ، المطيع والعاصي : (سُبْحانَكَ) أي تنزهت عن أن ينسب إلى غيرك قدرة على فعل من الأفعال.
ولما أنتج التنزيه أنهم لا فعل لغيره سبحانه ، عبروا عنه بقولهم : (ما كانَ يَنْبَغِي) أي يصح ويتصور (لَنا أَنْ نَتَّخِذَ) أي نتكلف أن نأخذ باختيارنا من غير إرادة منك (مِنْ دُونِكَ) وكل ما سواك فهو دونك (مِنْ أَوْلِياءَ) أي ينفعوننا ، فإنا مفتقرون إلى من ينفعنا لحاجتنا وفقرنا ، فكيف نترك من بيده كل شيء وهو أقرب إلينا في كل معنى من معاني الولاية من كل شيء من العلم والقدرة وغيرهما إلى من لا شيء بيده ، وهو أبعد بعيد من كل معنى من معاني الولاية ، فلو تكلفنا جعله قريبا لم يكن كذلك ، وهذه عبارة
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
