لازمة في كل حال ؛ قال أبو حيان : وهي لغة لطوائف من العرب لبني الحارث بن كعب وبعض كنانة خثعم وزبيد وبني العنبر وبني الهجيم ومراد وعذرة. (لَساحِرانِ) لا شك في ذلك منهما (يُرِيدانِ) أي بما يقولان من دعوى الرسالة وغيرها (أَنْ يُخْرِجاكُمْ) أيها الناس (مِنْ أَرْضِكُمْ) هذه التي ألفتموها ، وهي وطنكم خلفا عن سلف (بِسِحْرِهِما) الذي أظهراه لكم وغيره.
ولما كان كل حزب بما لديهم فرحون قالوا : (وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ) هذه السحرية التي تعبتم في تمهيدها ، وأفنى فيها أسلافكم أعمارهم ، حتى بلغ أمرها الغاية ، وبدينكم الذي به قوامكم (الْمُثْلى) أي التي هي أمثل الطرق ، فيكونا آثر بما يظهرانه منها عند الناس منكم ، ويصرفان وجوه الناس إليها عنكم ، ويبطل ما لكم بذلك من الأرزاق والعظمة عند الخاص والعام وغير ذلك من الأغراض (فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ) أي لا تدعوا منه شيئا إلا جئتم به ولا تختلفوا تضعفوا (ثُمَّ ائْتُوا) إلى لقاء موسى وهارون لمباراتهما (صَفًّا) أي متسابقين متساوين في السباق ليستعلي أمركم عليهما فتفلحوا ، والاصطفاف أهيب في صدور الرائين.
ولما كان التقدير : فمن أتى كذلك فقد استعلى ، عطف عليه قولهم محققا : (وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ) في هذا الجمع الذي ما اجتمع مثله قط (مَنِ اسْتَعْلى) أي غلب ووجد علوه ، أي ففعلوا ما تقدم وأتوا صفا ، فلما أتوا وكانوا خبيرين بأن يقولوا ما ينفعهم في مناصبة موسى عليهالسلام ، استؤنف الإخبار عنه بقوله تعالى : (قالُوا) أي السحرة منادين ، لأن لين القول مع الخصم إن لم ينفع لم يضر : (يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ) ما معك مما تناظرنا به أولا (وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ) أي نحن (أَوَّلَ مَنْ أَلْقى) ما معه (قالَ) أي موسى مقابلا لأدبهم بأحسن منه ولأنه فهم أن مرادهم الابتداء ، وليكون هو الآخر فيكون العاقبة بتسليط معجزته على سحرهم فلا يكون بعدها شك : لا ألقي أنا أولا (بَلْ أَلْقُوا) أنتم أولا ، فانتهزوا الفرصة ، لأن ذلك كان مرادهم بما أفهموه من تعبير السياق والتصريح بالأول ، فألقوا (فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ) التي ألقوها (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ) وهو صفينا تخييلا مبتدئا (مِنْ سِحْرِهِمْ) الذي كانوا قد فاقوا به أهل الأرض (أَنَّها) لشدة اضطرابها (تَسْعى) سعيا ، وإذا كان هذا حاله مع أنه أثبت الناس بصرا وأنفذهم بصيرة فما ظنك بغيره! (فَأَوْجَسَ) أي أضمر بسبب ذلك ، وحقيقته : أوقع واجسا أي خاطرا وضميرا.
ولما كان المقام لإظهار الخوارق على يديه ، فكان ربما فهم أنه أوقعه في نفس أحد غيره ، كان المقام للاهتمام بتقديم المتعلق ، فقال لذلك لا لمراعاة الفواصل : (فِي
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
