ولما ذكر سبحانه ما رتب على الطاعة الظاهرة التي هي دليل الانقياد الباطن ، ذكر حال المنافقين فيه ، فقال عاطفا على (وَيَقُولُونَ) لأنه ليس المراد منه إلا مجرد القول من غير إرادة تقييد بزمان معين : (وَأَقْسَمُوا) وكأنه عبر بالماضي إشارة إلى أنهم لم يسمحوا به أكثر من مرة ، لما يدل عليه من زيادة الخضوع والذل (بِاللهِ) أي الملك الذي له الكمال المطلق ؛ واستعار من جهد النفس قوله في موضع الحال : (جَهْدَ أَيْمانِهِمْ) أي غاية الإقسام (لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ) أي بأمر من الأمور (لَيَخْرُجُنَ) مما هم ملتبسون به من خلافه ، كائنا ما كان ، إلى ما أمرتهم به ، وذلك أنهم كانوا يقولون لرسول الله صلىاللهعليهوسلم : أينما كنت نكن معك ، إن خرجت خرجنا ، وإن أقمت أقمنا ، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا ـ قاله البغوي. فكأنه قيل : ماذا تفعل في اختبارهم؟ فقيل : الأمر أوضح من ذلك ، فإن لكل حق حقيقة ، ولكل فعل أدلة (قُلْ) أي لهم : (لا تُقْسِمُوا) أي لا تحلفوا فإن العلم بما أنتم عليه لا يحتاج إلى الإقسام ، ولكن المحرك لكم إلى الخروج محبة الامتثال لا إلزام الإقسام ، وفيه إشارة إلى أنهم أهل للاتهام ، وكذا قال المتنبي :
|
وفي يمينك فيما أنت واعده |
|
ما دل أنك في الميعاد متهم |
ثم علل ذلك بقوله : (طاعَةٌ) أي هذه الحقيقة (مَعْرُوفَةٌ) أي منكم ومن غيركم ، وإرادة الحقيقة هو الذي سوغ الابتداء بها مع تنكير لفظها لأن العموم الذي تصلح له كما قالوا من أعرف المعارف ، ولم تعرف ب «ال» لئلا يظن أنها لعهد ذكري أو نحوه ، والمعنى أن الطاعة وإن اجتهد العبد في إخفائها لا بد أن تظهر مخايلها على شمائله ، وكذا المعصية لأنه «ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها» رواه الطبراني عن جندب رضي الله عنه ، وروى مسدد عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : لو أن رجلا دخل بيتا في جوف بيت فأدمن هناك عملا أوشك الناس أن يتحدثوا به ، وما من عامل عمل عملا إلا كساه الله رداء عمله ، إن كان خيرا فخير ، وإن كان شرا فشر. ولأبي يعلى والحاكم ـ وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله للناس كائنا ما كان (١)» ثم علل إظهاره للخبء بقوله : (إِنَّ اللهَ) أي الذي له الإحاطة بكل شيء (خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) وإن اجتهدتم في إخفائه ، فهو ينصب عليه دلائل يعرفه بها عباده ، فالحلف غير مغن عن الحالف ، والتسليم غير ضار للمسلم.
__________________
(١) أخرجه أحمد ٣ / ٢٨ وأبو يعلى ١٣٧٨ والحاكم ٤ / ٣١٤ من حديث أبي سعيد الخدري وإسناده ضعيف لضعف درّاج في روايته عن أبي الهيثم.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
