(مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ) أي أرقائكم الذكور والإناث ، احتياطا لمصالحهم وصونا لهم عن الفساد امتثالا لما ندب إليه حديث «تناكحوا تكاثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة (١)».
ولما كان للزواج كلف يهاب لأجلها ، لما طبع الآدمي عليه من الهلع في قلة الوثوق بالرزق ، أجاب من كأنه قال : قد يكون الإنسان غير قادر لكونه معدما ، بقوله : (إِنْ يَكُونُوا) أي كل من ذكر من حر أو عبد ، والتعبير بالمضارع يشعر بأنه قد يكون في النكاح ضيق وسعة (فُقَراءَ) أي من المال (يُغْنِهِمُ اللهُ) أي الذي له الكمال كله ، إذا تزوجوا (مِنْ فَضْلِهِ) لأنه قد كتب لكل نفس رزقها فلا يمنعكم فقرهم من إنكاحهم ، وعن ابن أبي حاتم عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال : أطيعوا الله فيما أمركم من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى. وقال البغوي : قال عمر رضي الله عنه : عجبت لمن يبتغي الغنى بغير النكاح ـ وقرأ هذه الآية. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : التمسوا الغنى في النكاح ، وتلا هذه الآية رواه ابن جرير. ولأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه : ثلاثة حق على الله عونهم : الناكح يريد العفاف ، والمكاتب يريد الأداء ، والغازي في سبيل الله (٢). ويؤيده ما في الصحيح من حديث الواهبة نفسها حيث زوجها رسول الله صلىاللهعليهوسلم لمن لم يجد ولا خاتما من حديد (٣).
ولما كان التقدير : فالله ذو فضل عظيم ، عطف عليه قوله : (وَاللهُ) أي ذو الجلال والإكرام (واسِعٌ عَلِيمٌ) أي فهو بسعة قدرته يسوق ما كتبه للمرأة على يد الزوج ، وبشمول علمه يسبب أسبابه. ولما أمر سبحانه بما يعصم من الفتنة من غض البصر ثم بما يحصن من النكاح ، وجرا عليه بالوعد بالإغناء ، وكان هذا الوعد فيما بعد النكاح ، وقدم الكلام فيه ترغيبا للإنسان في التوكل والإحصان ، وكان قبله ما قد يتعذر لأجله إما
__________________
(١) ذكره العراقي في الإحياء ٢ / ٢٢ من حديث ابن عمر وقال : أخرجه ابن مردويه.
ـ وذكره ابن حجر في الفتح ٩ / ١١١ وقال : ذكره الشافعي بلاغا عن ابن عمر.
ـ وورد بلفظ : «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر الأنبياء يوم القيامة» أخرجه ابن حبان ٤٠٢٨ وأحمد ٣ / ١٥٨ و٢٤٥ والبيهقي ٧ / ٨١. ٨٢ من حديث أنس وله شواهد انظر تلخيص الحبير ٣ / ١١٦.
(٢) أخرجه الترمذي ١٦٥٥ والنسائي ٦ / ٦١ وابن ماجة ٢٥١٨ والحاكم ٢ / ١٦٠ والبيهقي ٧ / ٧٨ والبغوي ٢٢٣٩ وابن حبان ٤٠٣٠ وأحمد ٢ / ٢٥١ و٤٣٧ من حديث أبي هريرة وقال الترمذي : حديث حسن.
(٣) أخرجه البخاري ٥٠٨٧ وأحمد ٥ / ٣٣٦ من حديث سهل بن سعد.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
