ولما كان النساء حبائل الشيطان ، أمرن بزيادة الستر بقوله ، ناهيا عن الزينة ليكون النهي عن مواقعها من الجسد أشد وأولى (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَ) أي كالحلي والفاخر من الثياب فكيف بما وراءها (إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها) أي كان بحيث يظهر فيشق التحرز في إخفائه فبدا من غير قصد كالسوار والخاتم والكحل فإنها لا بد لها من مزاولة حاجتها بيدها ومن كشف وجهها في الشهادة ونحوها.
ولما كان أكثر الزينة في الأعناق والأيدي والأرجل ، وكان دوام ستر الأعناق أيسر وأمكن ، خصها فقال : (وَلْيَضْرِبْنَ) من الضرب ، وهو وضع الشيء بسرعة وتحامل ، يقال : ضرب في عمله : أخذ فيه ، وضرب بيده إلى كذا : أهوى ، وعلى يده : أمسك ، وضرب الليل بأرواقه : أقبل ، والضارب : الليل الذي ذهبت ظلمته يمينا وشمالا وملأت الدنيا ، والضارب : الطويل من كل شيء والمتحرك.
ولما كان المقصود من هذا الضرب بعض الخمار ، وهو ما لاصق الجيب منه ، عداه بالباء فقال : (بِخُمُرِهِنَ) جمع خمار ، وهو منديل يوضع على الرأس ، وقال أبو حيان : وهو المقنعة التي تلقي المرأة على رأسها. (عَلى جُيُوبِهِنَ) جمع جيب ، وهو خرق الثوب الذي يحيط بالعنق ، فالمعنى حينئذ يهوين بها إلى ما تحت العنق ويسبلنها من جميع الجوانب ويطولنها سترا للشعر والصدر وغيرهما مما هنالك ، وكأنه اختير لفظ الضرب إشارة إلى قوة القصد للستر وإشارة إلى العفو عما قد يبدو عند تحرك الخمار عند مزاولة شيء من العقل ؛ قال أبو حيان : وكان النساء يغطين رؤوسهن بالأخمرة ويسدلنها من وراء الظهور فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر عليهن. وروى البخاري في التفسير عن عائشة رضي الله عنها قالت : يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما نزلت (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَ) شققن مروطهن ـ وفي رواية : أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي ـ فاختمرن بها ، يعني تسترن ما قدام ، والإزار هنا الملاء.
ولما كان ذكر الجيب ربما أوهم خصوصا في الزينة ، عم بقوله : (وَلا يُبْدِينَ) أو كرره لبيان من يحل الإبداء له ومن لا يحل ، وللتأكيد (زِينَتَهُنَ) أي الخفية في أي موضع كانت من عنق أو غيره ، وهي ما عدا الوجه والكفين ، وظهور القدمين ، بوضع الجلباب ، وهو الثوب الذي يغطي الثياب والخمار قاله ابن عباس رضي الله عنهما. (إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَ) أي أزواجهن ، فإن الزينة لهم جعلت. قال أبو حيان : ثم ثنى بالمحارم وسوى بينهم في إبداء الزينة ، ولكن تختلف مراتبهم في الحرمة بحسب ما في نفوس البشر فالأب والأخ ليس كابن الزوج ـ انتهى. فقال تعالى : (أَوْ آبائِهِنَ) أي فإن لهم عليهن من الشفقة ما يمنع النظر بالشهوة ومثلهم في هذا المعنى سواء الأعمام والأخوال
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
