أنهم عصبة كما قال الله تعالى. هكذا ذكروا حسان منهم وأنا والله لا أظن به أصلا وإن جاءت تسميته في الصحيح فقد يخطىء الثقة لأسباب لا تحصى ، كما يعرف ذلك من مارس نقد الأخبار ، وكيف يظن به ذلك ولا شغل له إلا مدح النبي صلىاللهعليهوسلم والمدافعة عنه والذم لأعدائه وقد شهد رسول الله صلىاللهعليهوسلم أن جبريل عليهالسلام معه ، فأقسم بالله أن الذي أيده بجبريل ما كان ليكله إلى نفسه في مثل هذه الواقعة ، وقد سبقني إلى الذب عنه الحافظ عماد الدين بن كثير الدمشقي رحمهالله وكيف لا ينافح عنه وهو القائل :
|
فإن أبي ووالده وعرضي |
|
لعرض محمد منكم وقاء |
وهو القائل يمدح عائشة رضي الله عنها ويكذب من نقل عنه ذلك :
|
حصان رزان ما تزنّ بريبة |
|
وتصبح غرثى من لحوم الغوافل |
|
حليلة خير الناس دينا ومنصبا |
|
نبي الهدى والمكرمات الفواضل |
|
عقيلة حي من لؤي بن غالب |
|
كرام المساعي مجدها غير زائل |
|
مهذبة قد طيب الله خيمها |
|
وطهرها من كل شين وباطل |
|
فإن كان ما بلغت عني قلته |
|
فلا رفعت سوطي إليّ أناملي |
|
وكيف وودي ما حييت ونصرتي |
|
لآل رسول الله زين المحافل |
|
له رتب عال على الناس فضلها |
|
تقاصر عنها سورة المتطاول |
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب : وأنكر قوم أن يكون حسان خاض في الإفك وجلد فيه ورووا عن عائشة رضي الله عنها أنها برأته من ذلك ـ انتهى.
واستمر أهل الإفك في هذا أكثر من شهر ، والله تعالى عالم بما يقولون ، وأن قولهم يكاد يقطع أكباد أحب خلقه إليه ، وهو قادر على تكذيبهم عند أول ما خاضوا فيه ، ولكنه سبحانه أراد لناس رفعة الدرجات ، ولآخرين الهلاك ، فيا لله ما لقي النبي صلىاللهعليهوسلم والصديق وآله رضي الله عنهم وكل من أحبهم وهم خير الناس ، والله سبحانه وتعالى يملي للآفكين ويمهلهم ، وكأن الحال لعمري كما قال أبو تمام الطائي في قصيدة :
|
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر |
|
فليس لعين لم يفض ماؤها عذر |
وحين سمعت عائشة رضي الله عنها بقول أهل الإفك سقطت مغشيا عليها وأصابتها حمى بنافض ، واستأذنت رسول الله صلىاللهعليهوسلم في إتيان بيت أبيها فأذن لها فسألت أمها عن الخبر ، فأخبرتها فاستعبرت وبكت ، وكان أبو بكر رضي الله عنه في علية يقرأ فسمع حسها فنزل فسأل أمها فقالت : بلغها الذي ذكر من شأنها ، ففاضت عيناه ، واستمرت هي رضي الله عنها تبكي حتى ظنت أن البكاء فالق كبدها ، وساعدتها على البكاء امرأة من أولي الوفاء والمؤاساة والكرم والإيثار ومعالي الشيم : الأنصار رضي الله
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
