وعلى رتبته ، ومدحه أبلغ مدح لصاحبه ، والكريم من ستر مساوىء الأخلاق بإظهار معاليها وتنزه عن كل دناءة ؛ قال القزاز : وأصل الكرم في اللغة الفضل والرفعة. ولما كان التقدير : فمن دعا الله وحده فأولئك هم المفلحون الوارثون في الدارين ، عطف عليه قوله : (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ) أي الملك الذي لا كفوء له لإحاطته بجميع صفات الكمال (إِلهاً) ولما كانوا لتعنتهم ينسبون الداعي له سبحانه باسمين أو أكثر إلى الشرك ، قيد بقوله : (آخَرَ) ثم أيقظ من سنة الغفلة ، ونبه على الاجتهاد والنظر في أيام المهلة ، بقول لا أعدل منه ولا أنصف فقال : (لا بُرْهانَ لَهُ) ولما كان المراد ما يسمى برهانا ولو على أدنى الوجوه الكافية ، عبر بالباء سلوكا لغاية الإنصاف دون «على» المفهمة للاستعلاء بغاية البيان فقال : (بِهِ) أي بسبب دعائه ذلك فإنه إذا اجتهد في إقامة برهان على ذلك لم يجد ، بل وجد البراهين كلها قائمة على نفي ذلك ، داعية إلى الفلاح باعتقاد التوحيد والصلاح ، هذا المراد ، لا أنه يجوز أن يقوم على شيء غيره برهان (فَإِنَّما حِسابُهُ) أي جزاؤه الذي لا تمكن زيادته ولا نقصه (عِنْدَ رَبِّهِ) الذي رباه ، ولم يربه أحد سواه ، وغمره بالإحسان ، ولم يحسن إليه أحد غيره ، الذي هو أعلم بسريرته وعلانيته منه نفسه ، فلا يخفى عليه شيء من أمره.
ولما أفهم كون حسابه عند هذا المحسن أحد أمرين : إما الصفح بدوام الإحسان ، وإما الخسران بسبب الكفران ، قال على طريق الجواب لمن يسأل عن ذلك : (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ) ووضع (الْكافِرُونَ) موضع ضميره تنبيها على كفره وتعميما للحكم ، فصار أول السورة وآخرها مفهما لأن الفلاح مختص به المؤمنون.
ولما كان الأمر كذلك ، أمر سبحانه نبيه صلىاللهعليهوسلم بالاجتهاد في إنقاذ عباده حتى بالدعاء لله في إصلاحهم ليكون الختم بالرحمة للمؤمنين ، كما كان الافتتاح بفلاحهم ، فقال عاطفا على قوله (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) فإنه لا إحسان أحسن من الغفران ، أو على معنى (قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ) الذي بينته قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي بالأمر : (وَقُلْ ،) أو يكون التقدير : فأخلص العبادة له (وَقُلْ) لأجل أن أحدا لا يقدره حق قدره : (رَبِ) أيها المحسن إليّ (اغْفِرْ وَارْحَمْ) أي أكثر من تعليق هاتين الصفتين في أمتي لتكثرها ، فإن في ذلك شرفا لي ولهم ، فأنت خير الغافرين (وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) فمن رحمته أفلح بما توفقه له من امتثال ما أشرت إليه أول السورة ، فكان من المؤمنين ، فكان من الوارثين الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ، فقد انطبق على الأول هذا الآخر بفوز كل مؤمن ، وخيبة كل كافر ، نسأل الله تعالى أن يكون لنا أرحم راحم وخير غافر ، إنه المتولي للسرائر ، والمرجو لإصلاح الضمائر ـ آمين.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
