وهم المقصودون بالتهديد : (وَإِنَّا) أي بما لنا من العظمة (عَلى أَنْ نُرِيَكَ) أي قبل موتك (ما نَعِدُهُمْ) من العذاب (لَقادِرُونَ) ولما لاح من هذا أن أخذهم وتأخيرهم في الإمكان على حد سواء ، وكانوا يقولون ويفعلون ما لا صبر عليه إلا بمعونة من الله ، كان كأنه قال : فماذا أفعل فيما تعلم من أمرهم؟ فقال آمرا له بمداواته : (ادْفَعْ) وفخم الأمر بالموصول لما فيه من الإيهام المشوق للبيان ثم بأفعل التفضيل فقال : (بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) أي من الأقوال والأفعال بالصفح والمداراة (السَّيِّئَةَ) ثم خفف عنه ما يجد من ثقلها بقوله : (نَحْنُ أَعْلَمُ) أي من كل عالم (بِما يَصِفُونَ) في حقك وحقنا ، فلو شئنا منعناهم منه أو عاجلناهم بالعذاب وليس أحد بأغير منا فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل.
ولما كان الصبر عليه لا يطاق إلا به سبحانه ، أمره بالدعاء بذلك فقال : (وَقُلْ رَبِ) أيها المحسن إليّ (أَعُوذُ بِكَ) أي ألتجىء إليك (مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ) أي أن يصلوا إليّ بوساوسهم التي هي كالنخس بالمهماز في الإقحام في السيئات والبعد عن مطلق الحسنات ، فكيف بالأحسن منها كما سلطتهم على الكافرين تؤزهم إلى القبائح أزا (وَأَعُوذُ بِكَ رَبِ) أي أيها المربي لي (أَنْ يَحْضُرُونِ) أي ولو لم تصل إليّ وساوسهم فإن حضورهم هلكة ، وبعدهم بركة ، لأنهم مطبوعون على الفساد لا ينفكون عنه.
ولما كان أضر أوقات حضورهم ساعة الموت ، وحالة الفوت ، فإنه وقت كشف الغطاء ، عما كتب من القضاء ، وآن اللقاء ، وتحتم السفول أو الارتقاء ، عقب ذلك بذكره تنبيها على بذل الجهد في الدعاء والتضرع للعصمة فيه فقال معلقا بقوله تعالى : (بَلْ لا يَشْعُرُونَ) أو بمبلسون ، منبها بحرف الغاية على أنه سبحانه يمد في أزمانهم استدراجا لهم : (حَتَّى) أو يكون التقدير كما يرشد إليه السياق : فلا أكون من الكافرين المطيعين للشياطين حتى (إِذا جاءَ) وقدم المفعول ليذهب الوهم في فاعله كل مذهب فقال : (أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ) فكشف له الغطاء ، وظهر له الحق ، ولاحت له بوارق العذاب ، ولم يبق في شيء من ذلك ارتياب (قالَ) مخاطبا لملائكة العذاب على عادة جهله ووقوفه مع المحسوس دأب البهائم : (رَبِّ ارْجِعُونِ) أي إلى الدنيا دار العمل ؛ ويجوز أن يكون الجمع لله تعالى وللملائكة ، أو للتعظيم على عادة في مخاطبات الأكابر لا سيما الملوك ، أو لقصد تكرير الفعل للتأكيد.
ولما كان في تلك الحالة على القطع من اليأس من النجاة لليأس من العمل لفوات داره مع وصوله إلى حد الغرغرة قال : (لَعَلِّي أَعْمَلُ) أي لأكون على رجاء من أن
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
