المرحوم في إزالة ضرره وهو معنى (وَكَشَفْنا) أي بما لنا من العظمة (ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ) وهو الذي عرض جؤارهم بسببه (لَلَجُّوا) أي تمادوا تماديا عظيما (فِي طُغْيانِهِمْ) الذي كانوا عليه قبل هذا الجؤار وهو إفراطهم في منابذة الحق والاستقامة (يَعْمَهُونَ) أي يفعلون من التحير والتردد فعل من لا بصيرة له في السير المنحرف عن القصد ، والجائر عن الاستقامة ، قال ابن كثير : فهذا من باب علمه بما لا يكون لو كان كيف كان يكون ، قال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : كل ما فيه «لو» فهو مما لا يكون أبدا. ثم أتبع هذا الدليل تأييدا له ما يدل على أنهم لا يسلكون الصراط إلا اضطرارا فقال : (وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ) أي بما لنا من العظمة (بِالْعَذابِ) أي بمطلقه كإظهار حزب الله عليهم في بدر وغيرها (فَمَا اسْتَكانُوا) أي خضعوا خضوعا هو كالجبلة لهم (لِرَبِّهِمْ) المحسن إليهم عقب المحنة ، وحقيقته ما طلبوا أن يكونوا له ليكرموا مقام العبودية من الذل والخضوع والانقياد لأوامره تاركين حظوظ أنفسهم ، والحاصل أنه لما ضربهم بالعذاب كان من حقهم أن يكونوا له لا لشركائهم ، فما عملوا بمقتضى ذلك إيجادا ولا طلبا (وَما يَتَضَرَّعُونَ) أي يجددون الدعاء بالخضوع والذل والخشوع في كل وقت بحيث يكون لهم عادة ، بل هم على ما جبلوا عليه من الاستكبار والعتو إلا إذا التقت حلقتا البطان ، ولم يبق لهم نوع اختيار ، بدليل ما أرشد إليه حرف الغاية من أن التقدير : بل استمروا على عتوهم (حَتَّى إِذا فَتَحْنا) أي بما لنا من العظمة ، ودل على أنه فتح عذاب فقال : (عَلَيْهِمْ باباً) من الأبواب التي نقهر بها من شئنا بحيث يعلوه أمرها ولا يستطيع دفعها (ذا عَذابٍ شَدِيدٍ) يعني القتل والأسر يوم بدر ـ قاله ابن عباس رضي الله عنهما ، أو القحط الذي سلطه عليهم إجابة لدعوة النبي صلىاللهعليهوسلم في قوله : «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف» (١)(إِذا هُمْ فِيهِ) أي ذلك الباب مظروفون لا يقدرون منه على نوع خلاص (مُبْلِسُونَ) أي متحيرون ساكنون على ما في أنفسهم آئسون لا يقدرون أن ينطقوا بكلمة ، داخلون في الإبلاس وهو عدم الخير ، متأهلون لسكنى «بولس» وهو سجن جهنم ، لعدم جعلهم التضرع وصفا لهم لازما غير عارض ، والخوف من الله شعارا دائما غير مفارق ، استحضارا لقدرته واستكبارا لعظمته ؛ ثم التفت إلى خطابهم ، استعطافا بعتابهم ، لأنه عند التذكير بعذابهم أقرب إلى إيابهم ، فقال : (وَهُوَ) أي ما استكانوا لربهم والحال أنه هو لا غيره (الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ) يا من يكذب بالآخرة ، على غير مثال سبق (السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ) ولعله جمعها لأن التفاوت فيها أكثر من التفاوت في السمع (وَالْأَفْئِدَةَ) التي هي مراكز العقول ، فكنتم بها أعلى من بقية الحيوانات ، جمع
__________________
(١) تقدم وسيعيده المصنف رحمهالله.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
