غضبي» (١) أي أنهم مطيقون لها ومعانون عليها (وَلا) أي والحال أنا لا نكلفهم ولكنه عم فقال : (نُكَلِّفُ نَفْساً) أي كافرة أو مؤمنة (إِلَّا وُسْعَها) فلا يقدر عاص على أن يقول : كنت غير قادر على الطاعة ، ولا يظن بنا مؤمن أنا نؤاخذه بالزلة والهفوة ، فإن أحدا لا يستطيع أن يقدرنا حق قدرنا لأن مبنى المخلوق على العجز.
ولما كانت الأعمال إذا تكاثرت وامتد زمنها تعسر أو تعذر حصرها إلا بالكتابة عامل العباد سبحانه بما يعرفون مع غناه عن ذلك فقال : (وَلَدَيْنا) أي عندنا على وجه هو أغرب الغريب (كِتابٌ) وعبر عن كونه سببا للعلم بقوله : (يَنْطِقُ) بما كتب فيه من أعمال العباد من خير وشر صغير وكبير (بِالْحَقِ) أي الثابت الذي يطابقه الواقع ، قد كتب فيه أعمالهم من قبل خلقهم ، لا زيادة فيها ولا نقص ، تعرض الحفظة كل يوم عليه ما كتبوه مما شاهدوه بتحقيق القدر له فيجدونه محررا بمقاديره وأوقاته وجميع أحواله فيزدادون به إيمانا ، ومن حقيته أنه لا يستطاع إنكار شيء منه.
ولما أفهم ذلك نفي الظلم ، صرح به فقال : (وَهُمْ) أي الخلق كلهم (لا يُظْلَمُونَ) من ظالم ما بزيادة ولا نقص في عمل ولا جزاء.
ولما كان التقدير : ولكنهم بذلك لا يعلمون ، قال : (بَلْ قُلُوبُهُمْ) أي الكفرة من الخلق ؛ ويجوز أن يكون هذا الإضراب بدلا من قوله (بَلْ لا يَشْعُرُونَ فِي غَمْرَةٍ) أي جهالة قد أغرقتها (مِنْ هذا) أي الذي أخبرنا به من الكتاب الحفيظ فهم به كافرون (وَلَهُمْ أَعْمالٌ) وأثبت الجار إشارة إلى أنه لا عمل لهم يستغرق الدون فقال : (مِنْ دُونِ ذلِكَ) أي مبتدئة من أدنى رتبة التكذيب من سائر المعاصي لأجل تكذيبهم بالكتاب المستلزم لتكذيبهم بالبعث المستلزم لعدم الخوف المستلزم للإقدام على كل معضلة (هُمْ لَها) أي دائما (عامِلُونَ) لا شيء يكفهم إلا عجزهم عنها.
ولما كانوا كالبهائم لا يخافون من المهلكة إلا عند المشاهدة ، غيّى عملهم للخبائث بالأخذ فقال : (حَتَّى إِذا أَخَذْنا) أي بما لنا من العظمة (مُتْرَفِيهِمْ) الذين هم الرؤساء القادة (بِالْعَذابِ) فبركت عليهم كلاكله ، وأناخت بهم أعجازه وأوائله (إِذا هُمْ) كلهم المترف ومن تبعه من باب الأولى (يَجْأَرُونَ) أي يصرخون ذلّا وانكسارا وجزعا من غير مراعاة لنخوة ، لا استكبارا ، وأصل الجأر رفع الصوت بالتضرع ـ قاله البغوي ، فكأنه قيل : فهل يقبل اعتذارهم أو يرحم انكسارهم؟ فقيل : لا بل يقال لهم بلسان الحال أو القال : (لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ) بعد تلك الهمم ، فإن الرجل من لا يفعل شيئا
__________________
(١) حديث قدسي تقدم.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
