سننكم ، ألم يقل الله : أكرم أباك وأمك ، والذي يقول كلاما رديئا في أبيه وأمه يستأصل بالموت ، وأنتم تقولون : من قال لأبيه أو لأمه. إن القربان شيء ينتفع به ، فلا يكرم أباه وأمه ، فأبطلتم كلام الله من تلقاء روايتكم ؛ قال مرقس : وتفعلون كثيرا مثل هذا ـ انتهى. يا مراؤون حسنا يثني وقال مرقس : نعما يثني عليكم أشعيا قائلا : إن هذا الشعب قرب مني ويكرمني بشفتيه ، وقلبه بعيد عني ، يعبدونني باطلا ويعلّمون تعليم وصايا الناس. ودعا الجمع وقال لهم : اسمعوا وافهموا ، ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان ، لكن الذي يخرج من الفم ينجس الإنسان ، حينئذ جاء إليه تلاميذه وقالوا : اعلم أن الفريسيين لما سمعوا الكلام شكوا ، فأجابهم وقال : كل غرس لا يغرسه أبي السماوي يقلع ، دعوهم فإنهم عميان يقودهم عميان ، أجابه بطرس وقال : فسر لنا المثل! فقال : حتى أنتم لا تفهمون؟ أما تعلمون أن كل ما يدخل إلى الفم يصل إلى البطن وينطرد إلى المخرج ، فأما الذي يخرج من الفم فهو يخرج من القلب ، هذا الذي ينجس الإنسان ، لأنه يخرج من القلب الفكر الشرير : القتل الزنى الفسق السرقة وشهادة الزور التجديف ، هذا هو الذي ينجس الإنسان ، وأما الأكل بغير غسل الأيدي وفليس ينجس الإنسان ، وقال مرقس : إن كل ما كان خارجا يدخل إلى فم الإنسان لا يقدر أن ينجسه لأنه لا يصل إلى القلب ، بل إلى الجوف ويذهب إلى خارج ، والذي يخرج من الإنسان هو الذي ينجس الإنسان ، لأنه من داخل تخرج أفكار سوء : فجور زنى قتل سرقة شره شر غش فسق عين شريرة تجديف تعاظم جهل ، هذا كله شر من داخل يخرج وينجس الإنسان انتهى. وفيه مما لا يجوز إطلاقه في شرعنا : الأب ـ كما تقدم غير مرة.
ولما بين أن عيسى عليهالسلام على منهاج إخوانه من الرسل في الأكل والعبادة ، وجميع الأحوال ، زاد في تحقيق ذلك بيانا لمن ضل بأن اعتقد فيه ما لا يليق به ، فقال مخاطبا لجميعهم بعد إهلاك من عاندهم من قومهم على وجه يشمل ما قبل ذلك ردا لمن جعله موجبا لإنكار الرسالة ، وتبكيتا لمن ابتدع الرهبانية من أمة عيسى عليهالسلام ، إعلاما بأن كل رسول قيل له معنى هذا الكلام فعمل به ، فكانوا كأنهم نودوا به في وقت واحد ، فعبر بالجمع ليكون أفخم له فيكون أدعى لقبوله : (يا أَيُّهَا الرُّسُلُ) من عيسى وغيره (كُلُوا) أنتم ومن نجيناه معكم بعد إهلاك المكذبين.
ولما علوا عن رتبة الناس ، فلم يكونوا أرضيين ، لم يقل (مِمَّا فِي الْأَرْضِ) [البقرة : ١٦٨] وعن رتبة الذين آمنوا ، لم يقل (مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ) [البقرة : ١٧٢] ليكونوا عابدين نظرا إلى النعمة أو حذرا من النقمة ، كما مضى بيانه في سورة البقرة ، بل قال : (مِنَ الطَّيِّباتِ) أي الكاملة التي مننت عليكم بخلقها لكم وإحلالها وإزالة الشبه
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
