أبا العباس أحمد ابن القاص من قدماء أصحاب الشافعي حكى في كتابه أدلة القبلة أنه يصعد إلى أعلاه في ستة آلاف مرقاة وستمائة وست وستين مرقاة ، قال : وهي مثل الدرج من الصخر ، فإذا انتهى إلى مقدار النصف من الطريق يصير إلى مستواه من الأرض فيها أشجار وماء عذب ، وفي هذا الموضع كنيسة على اسم إيليا النبي عليهالسلام ، وفيه مغار ، ويقال : إن إيليا عليهالسلام لما هرب من إزقيل الملك اختفى فيه ؛ ثم يصعد من هذا الموضع في الدرج حتى ينتهي إلى قلة الجبل ، وفي قلبه كنيسة بنيت على اسم موسى عليهالسلام بأساطين رخام ، أبوابها من الصفر والحديد ، وسقفها من خشب الصنوبر ، وأعلى سقوفها أطباق رصاص قد أحكمت بغاية الإحكام ، وليس فيها إلا رجل راهب يصلي ويدخن ويسرج قناديلها ، ولا يمكن أحدا أن ينام فيها البتة ، وقد اتخذ هذا الراهب لنفسه خارجا من الكنيسة بيتا صغيرا يأوي فيه ، وهذه الكنيسة بنيت في المكان الذي كلم الله فيه موسى عليه الصلاة والسّلام ، وحواليه ـ أي حوالي الجبل ـ من أسفله ستة آلاف ما بين دير وصومعة للرهبان والمتعبدين ، كان يحمل إليهم خراج مصر في أيام ملك الروم للنفقة على الديارات وغيرها ، وليس اليوم بها إلا مقدار سبعين راهبا يأوون في الدير الذي داخل الحصن ، وفي أكثرها يأوي أعراب بني رمادة ، وعلى الجبل مائة صومعة ، وأشجار هذا الجبل اللوز والسرو ، وإذا هبطت من الطور أشرفت على عقبة تهبط منها فتسير خطوات فتنتهي إلى دير النصراني : حصين عليه سور من حجارة منحوتة ذات شرف عليه بابان من حديد ، وفي جوف هذا الدير عين ماء عذب ، وعلى هذه العين درابزين من نحاس لئلا يسقط في العين أحد ، وقد هيىء براتج رصاص يجري فيها الماء إلى كروم لهم حول الدير ، ويقال : إن هذا الدير هو الموضع الذي رأى موسى عليهالسلام فيه النار في شجرة العليق ، وقبلة من بها دبر الكعبة ، وفيه يقول القائل :
|
عجب الطور من ثباتك موسى |
|
حين ناجاك بالكلام الجليل |
والطور من جملة كور مصر ، منه إلى بلد قلزم على البر مسيرة أربعة أيام ، ومنه إلى فسطاط مصر مسيرة سبعة أيام ـ انتهى كلام ابن القاص ، وسألت أنا من له خبرة بالجبل المذكور : هل به أشجار الزيتون؟ فأخبرني أنه لم ير به شيئا منها ، وإنما رآها فيما حوله في قرار الأرض ، وهي كثيرة وزيتونها مع كبره أطيب من غيره ، فإن كان ذلك كذلك فهو أغرب مما لو كانت به ، لأنه لعلوه أبرد مما سفل من الأرض ، فهو بها أولى ، وظهر لي ـ والله أعلم ـ أن حكمة تقدير الله تعالى أن يكون عدد الدرج ما ذكر موافقة زمان الإيجاد الأول لمكان الإبقاء الأول ، وذلك أن الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام وهو الإيجاد الأول ، وكلم موسى عليه الصلاة والسّلام ، وكتب له
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
