خوف ممزوج بتيقظ واستكانة ، ثم قد يكون في المعاملة إيثارا ومجاملة وإنصافا ومعدلة ، وفي الخدمة حضورا واستكانة. وفي السر تعظيما وحياء وحرمة ، والخشوع في الصلاة بجمع الهمة لها ، والإعراض عما سواها ، وذلك بحضور القلب والتفهم والتعظيم والهيبة والرجاء والحياء ، وإذا كان هذا حالهم في الصلاة التي هي أقرب القربات. فهم به فيما سواها أولى. قال ابن كثير : والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها ، واشتغل بها عما عداها ، وآثرها على غيرها ، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين «وجعلت قرة عيني في الصلاة» (١) رواه أحمد والنسائي عن أنس رضي الله عنه «يا بلال! أرحنا بالصلاة» (٢) ـ رواه أحمد عن رجل من أسلم رضي الله عنه.
ولما كان كل من الصلاة والخشوع صادا عن اللغو ، أتبعه قوله : (وَالَّذِينَ هُمْ) بضمائرهم التي تبعها ظواهرهم (عَنِ اللَّغْوِ) أي ما لا يعنيهم ، وهو كل ما يستحق أن يسقط ويلغى (مُعْرِضُونَ) أي تاركون عمدا ، فصاروا جامعين فعل ما يعني وترك ما لا يعني.
ولما جمع بين قاعدتي بناء التكاليف : فعل الخشوع وترك اللغو ، وكان الإنسان محل العجز ومركز التقصير ، فهو لا يكاد يخلو عما لا يعنيه ، وكان المال مكفرا لما قصد من الايمان فضلا عما ذكر منها على سبيل اللغو ، فكان مكفرا للغو في غير اليمين من باب الأولى (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها) [التوبة : ١٠٣] أتبعه قوله : (وَالَّذِينَ هُمْ) وأثبت اللام تقوية لاسم الفاعل فقال : (لِلزَّكاةِ) أي التزكية ، وهي إخراج الزكاة ، أو لأداء الزكاة التي هي أعظم مصدق للإيمان (فاعِلُونَ) ليجمعوا في طهارة الدين بين القلب والقالب والمال ؛ قال ابن كثير : هذه مكية ، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة ، والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب ، وأن أصل الزكاة كان واجبا بمكة كما قال تعالى في سورة الأنعام (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ) [الأنعام : ١٤١].
ولما أشار إلى أن بذل المال على وجهه طهرة ، وأن حبسه عن ذلك تلفة ، أتبعه
__________________
(١) جيد. أخرجه النسائي ٧ / ٦١ ـ ٦٢ والحاكم ٢ / ١٦٠ وأحمد ٣ / ١٢٨ و١٩٩ و٢٨٥ من حديث أنس ، وإسناده جيد ، رجاله كلهم ثقات.
(٢) حسن. أخرجه أحمد ٥ / ٣٦٤ (٢٢٥٧٨) من حديث سالم بن أبي الجعد عن رجل من أسلم ، وإسناده حسن ، وجهالة الصحابي لا تضر.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
