مفسدة وبالعكس ، لاقتداره على كل شيء وإظهار اقتداره كما قال تعالى عند أول ذكره للنسخ (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة : ١٠٦] الآيات ، فعلم أن منازعتهم فيه كفر ، فلذلك أتبع هذا قوله من غير عاطف لما بينهما من تمام الاتصال : (لِكُلِّ أُمَّةٍ) أي في كل زمان (جَعَلْنا) أي بما لنا من العظمة (مَنْسَكاً) أي شرعا لاجتماعهم به على خالقهم حيث وافق أمره ، ولاجتماعهم على أهوائهم إذا لم يوافقه ، وعن ابن جرير أن أصل المنسك في كلام العرب هو الموضع الذي يعتاده الإنسان ويتردد إليه إما لخير أو لشر.
ولما كان بحيث إن ما أراده سبحانه كان لا محالة ، قال : (هُمْ ناسِكُوهُ) أي متعبدون به ، لأنا ندافع عنهم من يعاديهم فيه حتى يستقيم لهم أمره ، لإسعادهم به أو إشقائهم ، فمن شك في قدرتنا على تمكينهم منه فهو كفور ، فإن وافق الأمر كان ربحا وإيمانا ، وإن خالفه كان كفرا وخسرانا.
ولما كان قد حكم بإظهار دينه على الدين كله ، وبأن الكفار على كثرتهم يغلبون بعد ما هم فيه من البطر ، أعلم بذلك بالتعبير بصيغة الزجر لهم بقوله مسببا عن هذه العظمة : (فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ) أي بما يلقيه الشيطان إليهم من الشبه ليجادلوا به ، من طعنهم في دينك بالنسخ بقولهم : لو كان من عند الله لما أمر اليوم بشيء ونهى عنه غدا.
لأنه يلزم منه البدء ، فليس الأمر كما زعموا ، بل هو دال على العلم بالعواقب والاقتدار التام على شرع المذاهب ، وغير ذلك من الشبه كما مضت الإشارة إليه ، فلا يلتفت إليهم في شيء نازعوا فيه كائنا ما كان ، وروي أنها نزلت بسبب جدال الكفار بديل بن ورقاء وبشر بن سفيان الخزاعيين وغيرهما في الذبائح ، وقولهم للمؤمنين : تأكلون ما ذبحتم وهو من قتلكم ، ولا تأكلون ما قتل الله ـ يعنون الميتة.
ولما كان النهي عن المنازعة في الحقيقة له صلىاللهعليهوسلم إلهابا وتهييجا إلى الإعراض عنهم لأنهم أهل لذلك ، لأن كيدهم في تضليل ، والإقبال على شأنه ، وكان التعبير بما تقدم من تحويله إليهم لتأكيد الأمر مع دلالته على إجلاله صلىاللهعليهوسلم عن المواجهة بالنهي ، عطف عليه قوله : (وَادْعُ) أي أوقع الدعوة لجميع الخلق (إِلى رَبِّكَ) أي المحسن إليك بإرسالك ، بالحمل لهم على كل ما أمرك به متى ما أمرك ، ولا يهولنك قولهم ، فإنهم مغلوبون لا محالة ، ولا تتأمل عاقبة من العواقب ، بل أقدم على الأمر وإن ظن أن فيه الهلاك ، فإنه ليس عليك إلا ذلك. وأما نظم الأمور على نهج السداد في إظهار الدين ، وقهر المعاندين ، فإلى الذي أمرك بتلك الأوامر ، وأحكم الشأن في جميع الزواجر ؛ ثم علل ذلك بقوله : (إِنَّكَ) مؤكدا له بحسب ما عندهم من الإنكار (لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ) فإنه تأصيل العليم القدير وإن طرقه التغيير.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
