الهجرة ثالثا بعد ما رغب فيها أولا بقصة أصحاب الكهف وثانيا بقصة أبيه إبراهيم عليهالسلام ، وأنه يعلي قومه على جميع أهل الأرض ، وينقذهم به بعد ضعفهم من كل شدة ويغني فقرهم ويجعلهم ملوك الأرض ، يذل بهم الجبابرة ، ويهلك من علم شقاوته منهم كما فعل بقوم موسى ، وأشار بإنجاء موسى عليهالسلام على يد عدوه وإلقائه المحبة عليه وهداية السحرة دون فرعون وقومه ، وعبادة بني إسرائيل العجل بعد ما رأوا من الآيات والنعم والنقم ، ثم رجوعهم عنها إلى عظيم قدرته على التصرف في القلوب لمن كان يبخع نفسه لكفرهم بهذا الحديث أسفا ، وكذا ما في قصة آدم عليهالسلام من قوله (فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) [طه : ١١٥] وقوله (ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى) [طه : ١٢٢] ولعله أشار بقوله (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي) [طه : ٢٧] إلى ما أنعم الله به عليه من تيسير هذا الذكر بلسانه ، وأرشد بدعاء موسى عليهالسلام بشرح الصدر وتيسير الأمر وطلب وزير من أهله إلى الدعاء بمثل ذلك حتى دعا المنزل عليه هذا القرآن بأن يؤيد الله الدين بأحد الرجلين ، فأيده بأعظم وزير : عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ كما مضى هذا إلى تمام ما اشتمل عليه سياق قصة موسى عليهالسلام هنا ، إتماما لتبكيت اليهود على تعليمهم قريشا أن يسألوا النبي صلىاللهعليهوسلم عن الروح ، وما ذكر معها من دقائق ، من أمر قصة نبيهم صلىاللهعليهوسلم ، لا يعلمها أحد منهم أو إلا حذّاقهم ، منها أن الموعد كان يوم الزينة ، ومنها إيمان السحرة إيمانا كاملا ، ومنها التهديد بتصليبهم في جذوع النخل ، ومنها إلقاء السامري لأثر الرسول ، فإني لم أر أحدا من اليهود يعرف ذلك ، وأخبرني بعض فضلائهم أنه لا ذكر لذلك عندهم.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه : لما ذكر سبحانه قصة إبراهيم عليهالسلام وما منحه وأعطاه ، وقصص الأنبياء بعده بما خصهم به ، وأعقب ذلك بقوله تعالى (أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ) [مريم : ٥٨] وكان ظاهر الكلام تخصيص هؤلاء بهذه المناصب العلية ، والدرجات المنيفة الجليلة لا سيما وقد اتبع ذلك بقوله (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) [مريم : ٥٩] كان هذا مظنة إشفاق وخوف فاتبعه تعالى بملاطفة نبيه محمد صلىاللهعليهوسلم ملاطفة المحبوب المقرب المجتبى فقال (ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى) وأيضا فقد ختمت سورة مريم بقوله (وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً) بعد قوله (وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا) وقد رأى عليه الصلاة والسّلام من تأخر قريش عن الإسلام ولددها ما أوجب إشفاقه وخوفه عليهم. ولا شك أنه عليه الصلاة والسّلام يحزنه تأخير إيمانهم ، ولذلك قيل له فلا (تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) فكأنه عليه الصلاة والسّلام
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
