جميعهم الصلاة والسّلام ـ إلى أنه ربما يفضل الابن الأب في أمر ، فربما قدم لأجله وإن كان لا يلزم منه تقديمه مطلقا ، مع ما فيها من أمر الحرث الذي هو أنسب شيء لما بعد غيض الماء في قصة نوح عليهالسلام ، هذا في أوله وأما في آخره فما ينبته مثال للدنيا في بهجتها وغرورها ، وانقراضها ومرورها ، ومن تصريف داود عليهالسلام في الجبال وهي أشد التراب الذي هو أقوى من الماء ، وفي الحديد وهو أقوى تراب الجبال ، وسليمان عليهالسلام في الريح وهي أقوى من التراب فقال : (وَداوُدَ) أي أول من ملك ابنه من أنبياء بني إسرائيل (وَسُلَيْمانَ) ابنه ، أي اذكرهما واذكر شأنهما (إِذْ) أي حين (يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ) الذي أنبت الزرع ، وهو من إطلاق اسم السبب على المسبب كالسماء على المطر والنبت ، قيل : كان ذلك كرما ، وقيل : زرعا (إِذْ نَفَشَتْ) أي انتشرت ليلا بغير راع (فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ) الذين لهم قوة على حفظها فرعته ؛ قال قتادة : النفش بالليل ، والهمل بالنهار. (وَكُنَّا) أي بعظمتنا التي لا تقر على خلاف الأولى في شرع من الشروع (لِحُكْمِهِمْ) أي الحكمين والمتحاكمين إليهما (شاهِدِينَ) لم يغب عنا ذلك ولا شيء من أمرهم هذا ولا غيره ، فلذلك غيرنا على داود عليهالسلام تلك الحكومة مع كونه ولينا وهو مأجور في اجتهاده لأن الأولى خلافها ، فإنه حكم بأن يتملك صاحب الحرث الغنم بما أفسدت من الكرم ، فكأنه رأى قيمة الغنم قيمة ما أفسدت (فَفَهَّمْناها) أي الحكومة بما لنا من العلم الشامل والقدرة الكاملة على رفع من نشاء (سُلَيْمانَ) فقال : تسلم الغنم لصاحب الكرم ليرتفق بلبنها ونسلها وصوفها ومنافعها ، ويعمل صاحبها في الكرم حتى يعود كما كان فيأخذ حرثه ، وترد الغنم إلى صاحبها ، وهذا أرفق بهما. وهذا أدل دليل على ما تقدمت الإشارة إليه عند (قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ ،) و (كُنَّا بِهِ عالِمِينَ إِذْ قالَ لِأَبِيهِ) وفيه رد عليهم في غيظهم من النبي صلىاللهعليهوسلم في تسفيه الآباء والرد عليهم كما في قصة إبراهيم عليهالسلام لأنه ليس بمستنكر أن يفضل الابن أباه ولو في شيء ، والآية تدل على أن الحكم ينقض بالاجتهاد إذا ظهر ما هو أقوى منه.
ولما كان ذلك ربما أوهم شيئا في أمر داود عليهالسلام ، نفاه بقوله دالا على أنهما على الصواب في الاجتهاد وإن كان المصيب في الحكم إنما هو أحدهما (وَكُلًّا) أي منهما (آتَيْنا) بما لنا من العظمة (حُكْماً) أي نبوة وعملا مؤسسا على حكمة العلم ، وهذا معنى ما قالوه في قول النبي صلىاللهعليهوسلم : إن من الشعر حكما ـ أي قولا صادقا مطابقا للحق (وَعِلْماً) مؤيدا بصالح العمل ، وعن الحسن رحمهالله : لو لا هذه الآية لرأيت القضاة قد هلكوا ، ولكنه أثنى على سليمان عليهالسلام بصوابه ، وعذر داود عليه
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
