فلما تلاها عليها قالت منكرة لتوقفها في الخبر : أفي هذا أستأمر أبوي ، فإني أختار الله ورسوله والدار الآخرة ، ثم عرض ذلك على جميع أزواجه فاقتدين كلهن بعائشة رضي الله عنهن فكانت لهن إماما فنالت إلى أجرها مثل أجورهن ـ روى ذلك البخاري وغيره عن عائشة رضي الله عنها ، وسبب ذلك أنه صلىاللهعليهوسلم وجد على نسائه رضي الله عنهن فآلى منهن شهرا ، فلما انقضى الشهر نزل إليهن من غرفة كان اعتزل فيها وقد أنزل الله عليه الآيات. فخيرهن فاخترنه رضي الله عنهن ، وسبب ذلك أن منهن من سأل التوسع في النفقة ، وقد كان النبي صلىاللهعليهوسلم لا يحب التوسع في الدنيا ، روى الشيخان رضي الله عنهما عن عائشة رضي الله عنهما قالت : ما شبع آل محمد صلىاللهعليهوسلم ، من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلىاللهعليهوسلم (١) ، وروى الحديث البيهقي ولفظه : قالت : ما شبع رسول الله صلىاللهعليهوسلم ثلاثة أيام متوالية ولو شئنا لشبعنا ، ولكنه كان يؤثر على نفسه ، وروى الطبراني في الأوسط عنها أيضا رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «من سأل عني أو سره أن ينظر إلي فلينظر إليّ أشعث شاحب مشمر لم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة ، رفع له علم فشمر إليه ، اليوم المضمار وغدا السباق ، والغاية الجنة أو النار» (٢).
ولما كان الله سبحانه قد أمضى حكمته في هذه الدار في أنه لا يقبل قول إلا ببيان ، قال سبحانه متهددا على ما قد أعاذهن الله منه ، فالمراد منه بيان أنه رفع مقاديرهن ، ولذلك ذكر الأفعال المسندة إليهن اعتبارا بلفظ «من» والتنبيه على غلط من جعل صحبه الأشراف دافعة للعقاب على الإسراف ، ومعلمة بأنها إنما تكون سببا للإضعاف : (يا نِساءَ النَّبِيِ) أي المختارات له لما بينه وبين الله مما يظهر شرفه (مَنْ يَأْتِ) قراءة يعقوب على ما نقله البغوي بالمثناة الفوقانية على معنى من دون لفظها ، وهي قراءة شاذة نقلها الأهوازي في كتاب الشواذ عن ابن مسلم عنه : وقرأ الجماعة بالتحتانية على اللفظ وكذا «يقنت» (مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ) أي من قول أو فعل كالنشوز وسوء الخلق باختيار الحياة الدنيا وزينتها على الله ورسوله أو غير ذلك (مُبَيِّنَةٍ) أي واضحة ظاهرة في نفسها تكاد تنادي بذلك من سوء خلق ونشوز أو غير ذلك (يُضاعَفْ لَهَا
__________________
(١) أخرجه أحمد ٦ / ٤٢ و ٩٨ و ١٢٨ و ١٥٦ و ٢٠٩ مسلم ٢٩٧٤ و ٢٩٧٥ عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وإنما أخرجه البخاري ٥٣٧٤ و ٥٤١٤ والترمذي ٢٣٥٨ وابن ماجه ٣٣٤٣ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وفي الباب عن النعمان بن بشير وعابس رضي الله عنهما.
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط كما في المجمع ١٠ / ٢٥٨ من حديث عائشة. قال الهيثمي : وفيه سليمان ابن أبي كريمة وهو ضعيف.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
