الْعَذابُ) أي بسبب ذلك ، ولما هول الأمر بالمفاعلة في قراءة نافع المفهمة لأكثر من اثنين كما مضى في البقرة ، سهله بقوله : (ضِعْفَيْنِ) أي بالنسبة إلى ما لغيرها لأن مقدارها لا يعشره مقدار غيرها كما جعل حد الحر ضعفي ما للعبد ، وكما جعل أجرهن مرتين. واشتد العتاب فيما بين الأحباب ، وعلى قدر علو المقام يكون الملام ، وبقدر النعمة تكون النقمة ، وكل من بناء يضاعف للمجهول من باب المفاعلة أو التفعيل لأبي جعفر والبصريين أو للفاعل بالنون عند ابن كثير وابن عامر يدل على عظمته سبحانه ، والبناء للمجهول يدل على العناية بالتهويل بالعذاب بجعله عمدة الكلام وصاحب الجملة بإسناد الفعل إليه ، وذلك كله إشارة إلى أن الأمور الكبار صغيرة عنده سبحانه لأنه لا يضره شيء ولا ينفعه شيء ولا يوجب شيء من الأشياء له حدوث شيء لم يكن ، ولذلك قال : (وَكانَ ذلِكَ) أي مع كونه عظيما عندكم (عَلَى اللهِ يَسِيراً) فهذا ناظر إلى مقام الجلال والكبرياء والعظمة.
ولما قدم درء المفاسد الذي هو من باب التخلي ، أتبعه جلب المصالح الذي هو من طراز التحلي فقال : (وَمَنْ يَقْنُتْ) أي يخلص الطاعة ، وتقدم توجيه قراءة يعقوب بالفوقانية على ما حكاه البغوي والأهوازي في الشواذ عن ابن مسلم (مِنْكُنَّ لِلَّهِ) الذي هو أهل لئلا يلتفت إلى غيره لأنه لا أعظم منه بإدامة الطاعة فلا يخرج عن مراقبته أصلا (وَرَسُولِهِ) فلا تغاضبه ولا تطلب منه شيئا ، ولا تختار عيشا غير عيشه ، فإنه يجب على كل أحد تصفية فكره ، وتهدئة باله وسره ، ليتمكن غاية التمكن من إنفاذ أوامرنا والقيام بما أرسلناه بسببه من رحمة العباد ، بإنقاذهم مما هم فيه من الأنكاد.
ولما كان ذلك قد يفهم الاقتصار على عمل القلب قال : (وَتَعْمَلْ) قرأها حمزة والكسائي بالتحتانية ردا على لفظ «من» حثا لهن على منازل الرجال ، وقراءة الجماعة بالفوقانية على معناها على الأصل مشيرة إلى الرفق بهن في عمل الجوارح والرضى بالمستطاع كما قال عليه أفضل الصلاة والسّلام : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١). وأما عمل القلب فلا رضى فيه بدون الغاية ، فلذا كان «يقنت» مذكرا لا على شذوذ (صالِحاً) أي في جميع ما أمر به سبحانه أو نهى عنه (نُؤْتِها) أي بما لنا من العظمة على قراءة الجماعة بالنون ، وقراءة حمزة والكسائي بالتحتانية على أن الضمير لله (أَجْرَها مَرَّتَيْنِ) أي بالنسبة إلى أجر غيرها من نساء بقية الناس (وَأَعْتَدْنا) أي هيأنا
__________________
(١) أخرجه أحمد ٢ / ٢٥٨ و ٢٤٧ و ٥١٧ والبخاري ٧٢٨٨ مسلم ١٣٣٧ والنسائي ٥ / ١١٠ ـ ١١١ والترمذي ٢٦٧٩ وابن ماجه (١) و (٢) وابن خزيمة ٢٥٠٨ وابن حبان ١٨ و ١٩ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
