ولما أتم أمر الأحزاب ، أتبعه حال الذين ألّبوهم ، وكانوا سببا في إتيانهم كحيي بن أخطب والذين مالأوهم على ذلك ، ونقضوا ما كان لهم من عهد ، فقال : (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ) أي عاونوا الأحزاب ، ثم بينهم بقوله مبعضا : (مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) وهم بنو قريظة ومن دخل معهم في حصنهم من بني النضير كحيي ، وكان ذلك بعد إخراج بني قينقاع وبني النضير (مِنْ صَياصِيهِمْ) أي حصونهم العالية ، جمع صيصية وهي كل ما يتمنع به من قرون البقر وغيرها مما شبه بها من الحصون.
ولما كان الإنزال من محل التمنع عجبا ، وكان على وجوه شتى ، فلم يكن صريحا في الإذلال ، فتشوفت النفس إلى بيان حاله ، بين أنه الذل فقال عاطفا بالواو ليصلح لما قبل ولما بعد : (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ) أي بعد الإنزال كما كان قذفه قبل الإنزال ، فلو قدم القذف على الإنزال لما أفاد هذه الفوائد ، ولا اشتدت ملاءمة ما بعده للإنزال.
ولما ذكر ما أذلهم به ، ذكر ما تأثر عنه مقسما له فقال : (فَرِيقاً) فذكره بلفظ الفرقة ونصبه ليدل بادىء بدء على أنه طوع لأيدي الفاعلين : (تَقْتُلُونَ) وهم الرجال ، وكان نحو سبعمائة. ولما بدأ بما يدل على التقسيم مما منه الفرقة ، وقدم أعظم الأثرين الناشئين عن الرعب ، أولاه الأثر الآخر ليصير الأثران المحبوبان محتوشين بما يدل على الفرقة فقال : (وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً) وهم الذراري والنساء ، ولعله أخر الفريق هنا ليفيد التخيير في أمرهم ، وقدم في الرجال لتحتم القتل فيهم.
ولما ذكر الناطق بقسميه ، ذكر الصامت فقال : (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ) من الحدائق وغيرها ؛ ولما عم خص بقوله : (وَدِيارَهُمْ) لأنه يحامي عليها ما لا يحامي على غيرها ؛ ثم عم بقوله : (وَأَمْوالَهُمْ) مما تقدم ومن غيره من النقد والماشية والسلاح والأثاث وغيرها ، فقسم ذلك رسول الله صلىاللهعليهوسلم على المسلمين للفارس ثلاثة أسهم : للفرس سهمان ولفارسه سهم (١) كما للراجل ممن ليس له فرس ، وأخرج منها الخمس ، فعلى سنتها وقعت المقاسم ومضت السنة في المغازي ، واصطفى رسول الله صلىاللهعليهوسلم من سباياهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة. إحدى نساء بني عمرو بن قريظة ، فتلبثت قليلا ، ثم أسلمت ، فأراد رسول الله صلىاللهعليهوسلم : أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب فقالت : يا رسول الله! بل تتركني في ملكك فهو أخف عليّ وعليك ، فتركها حتى توفي عنها وهي في ملكه رضي الله عنها (٢).
__________________
(١) أخرجه البخاري ٢٨٦٣ و ٤٢٢٨ ومسلم ١٧٦٢ وأبو داود ٢٧٣٣ والترمذي ١٥٥٤ وابن ماجه ٢٨٥٤ وابن حبان ٤٨١٠ والدارقطني ٤ / ١٠٢ وأحمد ٢ / ٦٢ و ٧٢ من حديث ابن عمر.
(٢) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٤ / ٢٤ من طريق ابن إسحاق ، وهو مرسل.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
