وإن عظم (وَلَّى) أي بعد السماع ، مطلق التولي سواء كان على حالة المجانبة أو مدبرا (مُسْتَكْبِراً) أي حال كونه طالبا للكبر موجدا له بالإعراض عن الطاعة تصديقا لقولنا آخر تلك (وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ) [الروم : ٥٨].
ولما كان السامع لآياته سبحانه جديرا بأن تكسبه رقة وتواضعا ، قال تعالى دالا على أن هذا الشقي كان حاله عند سماعه وبعده كما كان قبل : (كَأَنْ) أي كأنه ، أي مشبها حاله بعد السماع حاله حين (لَمْ يَسْمَعْها) فدل ذلك على أنه لم يزل على حالة الكبر لأنه شبه حاله مع السماع بحاله مع عدم السماع ، وقد بين أن حاله مع السماع الاستكبار فكان حاله قبل السماع كذلك.
ولما كان من لم يسمع الشيء قد يكون قابلا للسمع ، فإذا كلم من قد جرت العادة بأن يسمع منه سمع ، بين أن حال هذا كما كان مساويا لما قبل التلاوة فهو مساو لما بعدها ، لأن سمعه مشابه لمن به صمم ، فالمضارع في «يتلى» مفهم لأن الحال في الاستقبال كهي في الحال فقال تعالى : (كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً) أي صمما يستوي معه تكليم غيره له وسكوته.
ولما تسبب عن ذلك استحقاقه لما يزيل نخوته وكبره وعظمته ، وكان استمرار الألم أعظم كاسر لذوي الشمم ، وكان من طبع الإنسان الاهتزاز لوعد الإحسان كائنا من كان نوع اهتزاز قال : (فَبَشِّرْهُ) فلما كان جديرا بأن يقبل ـ لا يولّي لظنه البشرى ـ على حقيقتها لأن من يعلم أنه أهل للعذاب بأفعاله الصعاب لا يزال يتوالى عليه النعم مرة بعد مرة حتى يظن أو يكاد يقطع بأن المعاصي سبب لذلك وأنه ـ لما له عند الله من عظيم المنزلة ـ لا يكره منه عمل من الأعمال ، قرعه بقوله : (بِعَذابٍ) أي عقاب مستمر (أَلِيمٍ).
ولما كانت معرفة ما لأحد الجزئين باعثة على السؤال عما للحزب الآخر ، وكانت إجابة السؤال عن ذلك من أتم الحكمة ، استأنف تعالى قوله مؤكدا لأجل إنكار الكفرة : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) أي أوجدوا الإيمان (وَعَمِلُوا) أي تصديقا له (الصَّالِحاتِ) وضعا للشيء في محله عملا بالحكمة (لَهُمْ جَنَّاتُ) أي بساتين (النَّعِيمِ) فأفاد سبحانه بإضافتها إليه أنه لا كدر فيها أصلا ولا شيء غير النعيم. ولما كان ذلك قد لا يكون دائما. وكان لا سرور بشيء منقطع قال : (خالِدِينَ فِيها) أي دائما.
ولما كانت الثقة بالوعد على قدر الثقة بالواعد ، وكان إنجاز الوعد من الحكمة ، قال مؤكدا لمضمون الوعد بالجنات : (وَعْدَ اللهِ) الذي لا شيء أجل منه ؛ فلا وعد
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
