تمام أمره في ذاته موارد إقامة غيره فيصير رسولا. والرتبة الأولى كثيرة الوقوع في الخلق ، وهي النبوة ، والثانية قليلة الوقوع ، فالرسل معشار معشار الأنبياء ، وللنبوة اشتقاقان : أحدهما من النبأ وهو الخبر ، وذلك لمن اصطفي من البشر لرتبة السماع والإنباء فنبىء ونبأ غيره من غير أن يكون عنده حقيقة ما نبيء به ولا ما نبأ فيكون حامل علم ، والاشتقاق الثاني من النبوة وهي الارتفاع والعلو ، وذلك لمن أعلى عن رتبة النبأ إلى رتبة العلم. فكان مطلعا على علم ما ورد عليه من الغيب على حقيقته وكماله ، فمن علا عن الحظ المتنزل العقلي إلى رتبة سماع ، كان نبيئا بالهمز ، ومن علا عن ذلك إلى رتبة علم بحقيقة ذلك كان نبيا غير مهموز ، فآدم عليهالسلام مثلا في علم الأسماء نبي بغير همز ، وفي ما وراءه نبيء بهمز ، وكذلك إبراهيم عليهالسلام فيما أرى من الملكوت نبي غير مهموز ، وفيما وراءه نبىء بهمز ـ انتهى. ولم يناده سبحانه باسمه تشريفا لقدره ، وإعلاء لمحله ، وحيث سماه باسمه في الأخبار فللتشريف من جهة أخرى ، وهي تعيينه وتخصيصه إزالة للبس عنه ، وقطعا لشبه التعنت.
ولما ناداه سبحانه بهذا الاسم الشريف المقتضي للانبساط ، أمره بالخوف فقال : (اتَّقِ اللهَ) أي زد من التقوى يا أعلى الخلائق بمقدار ما تقدر عليه لذي الجلال كله والإكرام ، لئلا تلتفت إلى شيء سواه ، فإنه أهل لأن يرهب لما له من خلال الجلال ، والعظمة والكمال.
ولما وجه إليه الأمر بخشية الولي الودود ، أتبعه النهي عن الالتفات نحو العدو والحسود. فقال : (وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ) أي الممانعين (وَالْمُنْفِقِينَ) أي المصانعين في شيء من الأشياء لم يتقدم إليك الخالق فيه بأمر وإن لاح لائح خوف أو برق بارق رجاء ، ولا سيما سؤالنا في شيء مما يقترحونه رجاء إيمانهم مثل أن تعين لهم وقت الساعة التي يكون فيها الفتح ، فإنهم إنما يطلبون ذلك استهزاء ، قال أبو حيان : وسبب نزولها أنه روي أن النبي صلىاللهعليهوسلم لما قدم المدينة كان يحب إسلام اليهود ، فتابعه ناس منهم على النفاق ، وكان يلين لهم جانبه ، وكانوا يظهرون النصائح من طرق المخادعة ، فنزلت تحذيرا له منهم ، وتنبيها على عداوتهم ـ انتهى ثم علل الأمر والنهي بما يزيل الهموم ويوجب الإقبال عليهما واللزوم ، فقال ملوحا إلى أن لهم أغوارا في مكرهم ربما خفيت عليه صلىاللهعليهوسلم ، وأكد ترغيبا في الإقبال على معلوله بغاية الاهتمام : (إِنَّ اللهَ) أي بعظيم كماله وعز جلاله (كانَ) أزلا وأبدا (عَلِيماً) شامل العلم (حَكِيماً) بالغ الحكمة فهو لم يأمرك بأمر إلا وقد علم ما يترتب عليه ، وأحكم إصلاح الحال فيه.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه : افتتحها سبحانه بأمر نبيه باتقائه ، ونهيه
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
