الفريقين في الدنيا ، فقال مهددا : (أَوَلَمْ) أي أيقولون عنادا لرسولنا : افتراه ولم (يَهْدِ) أي يبين ـ كما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما (لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا) أي كثرة من أهلكناه.
ولما كان قرب شيء في الزمان أو المكان أدل ، بين قربهم بإدخال الجار فقال : (مِنْ قَبْلِهِمْ) أي لأجل معاندة الرسل (مِنَ الْقُرُونِ) الماضين من المعرضين عن الآيات ، ونجينا من آمن بها ، وربما كان قرب المكان منزلا منزلة قرب الزمان لكثرة التذكير بالآثار ، والتردد خلال الديار.
ولما كان انهماكهم في الدنيا الزائلة قد شغلهم عن التفكر فيما ينفعهم عن المواعظ بالأفعال والأقوال ، أشار إلى ذلك بتصوير اطلاعهم على ما لهم من الأحوال ، بقوله : (يَمْشُونَ) أي إنهم ليسوا بأهل للتفكر إلا حال المشي (فِي مَسْكَنِهِمْ) لشدة ارتباطهم مع المحسوسات ، وذلك كمساكن عاد وثمود وقوم لوط ونحوهم. ولما كان في هذا أتم عبرة وأعظم عظة ، قال منبها عليه مؤكدا تنبيها على أن من لم يعتبر منكر لما فيه من العبر : (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي الأمر العظيم (لَآياتٍ) أي دلالات ظاهرات جدا ، مرئيات في الديار وغيرها من الآثار ، ومسموعات في الأخبار.
ولما كان السماع هو الركن الأعظم ، وكان إهلاك القرون إنما وصل إليهم بالسماع ، قال منكرا : (أَفَلا يَسْمَعُونَ) أي إن أحوالهم لا يحتاج من ذكرت له في الرجوع عن الغيّ إلى غير سماعها ، فإن لم يرجع فهو ممن لا سمع له (أَوَلَمْ) أي أيقولون في إنكار البعث : إذا ضللنا في الأرض ، ولم (يَرَوْا أَنَّا) بما لنا من العظمة (نَسُوقُ الْماءَ) من السماء أو الأرض (إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ) أي التي جرز نباتها أي قطع باليبس والتهشم ، أي بأيدي الناس فصارت ملساء لا نبت فيها ، وفي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما : إنها التي لا تمطر إلا مطرا لا يغني عنها شيئا ، قالوا : ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ : جزر ، ويدل عليه قوله : (فَنُخْرِجُ بِهِ) من أعماق الأرض (زَرْعاً) أي نبتا لا ساق له باختلاط الماء بالتراب الذي كان زرعا قبل هذا ، وأشار إلى أنه حقيقة ، لا مرية فيه ، وليس هو بتخييل كما تفعل السحرة ، بقوله مذكرا بنعمة الإبقاء بعد الإيجاد : (تَأْكُلُ مِنْهُ) أي من حبه وورقه وتبنه وحشيشه (أَنْعامُهُمْ) وقدمها لموقع الامتنان بها لأن بها قوامهم في معايشهم وأبدانهم ، ولأن السياق لمطلق إخراج الزرع ، وأول صلاحه إنما هو لأكل الأنعام بخلاف ما في سورة عبس ، فإن السياق لطعام الإنسان الذي هو نهاية الزرع حيث قال : (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ) [عبس : ٢٤] ثم
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
