ولما كان الجامع بين ناس قد يكون مآلهم إلى غيره ، بين أن الأمر فيه على غير ذلك ، فقال عاطفا على ما تقديره : فمنه كان المبدأ : (وَإِلَيْهِ) أي لا إلى غيره من حيث هذا الاسم الجامع لجميع الصفات (الْمَصِيرُ) حسا ومعنى لتمام عزته وشمول عظمته وكمال رحمته ، وما كان فيما بين المبدأ والمعاد من الأمور التي كانت بحيث يظن أنها خارجة ـ لتصرف الغير فيها ـ إنما كانت ابتلاء منه يقيم بها الحجة على العباد على ما يتعارفونه بينهم ، وما كان المتصرف فيها غيره فتصرفهم إنما كان أمرا طارئا يصحح عليهم الحجة ويلزمهم الحجة.
ولما كان التقدير : فالذين رجعوا إليه طوعا في هذه الدار بعد هذا البيان والإظهار ، وتركوا الجدال حجتهم ثابتة ولهم الرضا والنعيم المقيم ، عطف عليه قوله مبتدئا بالموصول ليصله بما يفهم التجدد والاستمرار : (وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ) أي يوردون تشكيكا على دينه الحق من الشبه ما يسمونه حججا ، ولعل الإدغام يشير إلى أن أهل هذا الضرب منافقون يلقون شبههم في خفاء فتشربها قلوب أمثالهم فتصير أهوية فيضعف أمرها ويؤيده تقييد الدحوض بما عند الرب (فِي اللهِ) أي في دين الملك الأعظم ليعيدوا الناس بعد ما دخلوا في نور الهدى إلى ظلام الضلال.
ولما كانت إقامة الحجة وإظهار المعجزة أمرا ملزما لجميع من بلغه الاستجابة لوصول الأمر إلى حد من البيان سقط معه الجدال ، قال معلما إن ما كان في قوة الوجود يصح أن يطلق عليه أنه موجود ، ومنبها بالجار على ذم هذا الجدال ولو قل زمنه : (مِنْ بَعْدِ ما) ولما كان المقصود مطلق الاستجابة لا من مجيب معين قال : (اسْتُجِيبَ لَهُ) أي استجاب له الرسول صلىاللهعليهوسلم ، وصار الناس كلهم بما يبين لهم مستجيبين بالقوة وإن لم يستجيبوا بالفعل ، فإن الأمر قد ظهر غاية الظهور ، ولم يبق إلا العناد ، فهذه الجملة هي المراد والثمرة من قوله (لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ).
ولما كان من خالف ظاهره باطنه ضعيف الحجة هلهل النسج ، قال معبرا بمبتدأ ثان مفردا للحجة إشارة إلى ضعفها : (حُجَّتُهُمْ) أي التي زعموها حجة ، وأخبر عن هذا المبتدأ الثاني ليكون هو وخبره خبرا عن الأول فقال : (داحِضَةٌ) أي زالقة فهي ذاهبة غير ثابتة لأجل أنها في معارضة ما ظهوره كالشمس بل أجلى ، والعبارة لفت إلى صفة الإحسان والعندية إشارة إلى شدة ظهور ما في حجتهم من الدحوض لأن (عِنْدَ) للأمور الظاهرة المألوفة ، وصفة التربية للعطف والرفق ، والإضافة إلى ضميرهم تقتضي مزيد لطف وعطف ، فهو إشارة إلى أنها هباء منثور عند تدقيق النظر ولا سيما إذا كان بصفة عزة وقهر وغضب ، فالمعنى أن دحوضها ظاهر جدا ولو عوملوا بصفة الإحسان ولو
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
