بتأخيرهم إلى آجالهم. ولما كان إمهالهم والرفق بهم رحمة لهم ، بين أن ذلك إنما هو لأجل خير الخلق ليكونوا أتباعا له فيزدادوا لذلك شرفا ، وأفرده بالذكر تنبيها على ذلك فقال مؤنسا له صلىاللهعليهوسلم بلفت الكلام إلى صفة الإحسان إرضاء له بما يرجوه في امته ، وزاد ذلك بالإضافة إلى ضميره فأفهم أن إحسانه إليهم إحسان يليق بمقامه ، ويلتئم بمراده الشريف ومرامه : (مِنْ رَبِّكَ) أي المحسن إليك بجعلك خير الخلائق وإمامهم ، سبقت الكلمة بإمهالهم (إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) ضربه لآجالهم ثم لجمعهم في الآخرة (لَقُضِيَ) على أيسر وجه وأسهله (بَيْنَهُمْ) حين الافتراق بإهلاك الظالم وإنجاء المحق.
ولما أخبر عن حال المتقدمين ، وكان من في زمانه صلىاللهعليهوسلم من أهل الكتاب يدعون غاية العلم بها والاجتماع عليها ، وهي كلها داعية إلى المبادرة إلى إرث هذا الكتاب الخاتم الجامع ، وكان بعضهم يتلبس بالتنسك والإعراض عن الدنيا وغير ذلك مما يقتضي أنه على بصيرة من أمره ، وإنكار أن يكون عنده نوع شك ، قال على وجه يعم غيرهم ، مؤكدا تنبيها على ذلك : (وَإِنَّ الَّذِينَ) ولما كان المراد الوصول إلى الكتاب من غير منازع ، ولم تدع حاجة إلى العلم بالموصل ، بني للمفعول قوله : (أُورِثُوا الْكِتابَ) أي الكامل الخاتم ، وهم هذه الأمة بما نسخ كتابهم ما تقدمه كان غيرهم كأنه مات ، فورثوا كما قال تعالى (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا) [فاطر : ٣٢] فكان حالهم في تمكنهم من التصرف في الكتاب بالحفظ والفهم وعدم المنازع في ادعائه حال الوارث والموروث منه فقال : (مِنْ بَعْدِهِمْ) أي المتفرقين ، وأثبت الجار لعدم استغراق الزمان (لَفِي شَكٍّ مِنْهُ) أي إيراث للكتاب المقتضي للاجتماع لا للتفرق لما فيه من الخير ، وذلك لعملهم عمل الشاك فيقولون : إنه سحر وشعر وكهانة ، ونحو ذلك ، وأن الآتي به غير صادق بعد اطلاعهم على ما اتى به من المعجزات وبعد معرفتهم به ، أما العرب ومن ساكنهم من أهل الكتاب فبإعجازه مع ما في كتب أهل الكتاب من البشارة به ، وأما غير من ساكنهم فبدعوة كتابهم (مُرِيبٍ) أي موقع في التهمة الموقعة في الحاجة الموقعة في صروف الدهر وهي شدائده وآفاته ونوائبه ، هذا على أن المراد كتابنا ، ويجوز أن يكون الضمير لأهل الكتاب خاصة والكتاب كتابهم ، وشكهم فيه عملهم بغير ما دعاهم إليه من اتباع كتابنا باتباع نبينا صلىاللهعليهوسلم.
ولما ثبت بهذا زيغهم عن أوامر الكتاب الآتي من الله ، سبب عنه أمره صلىاللهعليهوسلم بإبلاغ الناس ما ينفعهم عن رسالة ربه الذي أنزل تلك الكتب في آية واحدة مفصلة بعشر كلمات في كل كلمة منها حكم برأسه ، قالوا : ولا نظير لها إلا آية الكرسي فإنها عشرة أصول كل أصل منها مستقل برأسه فقال مسببا عن حالهم الاجتهاد في إزالتها والعمل
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
