الذي هو أهل للإقامة فيه فلم يبغوا به بدلا (نُزُلاً) أي عدادا لهم أول قدومهم في قول الحسن وعطاء ، وهو أوفق للمقام كما يعد للضيف على ما لاح (بِما كانُوا) جبلة وطبعا (يَعْمَلُونَ) دائما على وجه التجديد ، فإن أعمالهم من رحمة ربهم ، فإذا كانت هذه الجنات نزلا فما ظنك بما بعد ذلك! وهو لعمري ما أشار إليه قوله صلىاللهعليهوسلم : «ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» (١) وهم كل لحظة في زيادة لأن قدرة الله لا نهاية لها ، فإياك أن يخدعك خادع أو يغرك ملحد (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا) أي خرجوا عن دائرة الإيمان الذي هو معدن التواضع وأهل للمصاحبة والملازمة (فَمَأْواهُمُ النَّارُ) أي التي لا صلاحية فيها للإيواء بوجه من الوجوه أصلا.
ولما كان السامع جديرا بالعلم بأنهم مجتهدون في الخلاص منها ، قال مستأنفا لشرح حالهم : (كُلَّما أَرادُوا) أي وهم مجتمعون فكيف إذا أراد بعضهم (أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها) وهذا يدل على أنه يزاد في عذابهم بأن يخيل إليهم ما يظنون به القدرة على الخروج منها كما كانوا يخرجون بفسوقهم من محيط الأدلة ومن دائرة الطاعات إلى بيداء المعاصي والزلات ، فيعالجون الخروج فإذا ظنوا أنه تيسر لهم وهم بعد في غمراتها (أُعِيدُوا) بأيسر أمر وأسهله من أيّ من أمر بذلك (فِيها) إلى المكان الذي كانوا فيه أولا ، ولا يزال هذا دأبهم أبدا (وَقِيلَ) أي من أيّ قائل وكل بهم (لَهُمْ) أي عند الإعادة إهانة له : (ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ.)
ولما وصف عذابهم في النار كان أحق بالوصف عند بيان سبب الإهانة بالأمر بالذوق مع أنه أحق من حيث كونه مضافا محدثا عنه فقال : (الَّذِي كُنْتُمْ) أي كونا هو لكم كالجبلات ، وأشار إلى أن تكذيبهم به يتلاشى عنده كل تكذيب ، فكأنه مختص فقال : (بِهِ تُكَذِّبُونَ) فإن الإعادة بعد معالجة الخروج أمكن في التصديق باعتبار التجدد في كل آن.
ولما كان المؤمنون الآن يتمنون إصابتهم بشيء من الهوان في هذه الدار ، لأن نفوس البشر مطبوعة على العجلة ، بشرهم بذلك على وجه يشمل عذاب القبر ، فقال مؤكدا له لما عندهم من الإنكار لعذاب ما بعد الموت وللإصابة في الدنيا بما هم من الكثرة والقوة : (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ) أي أجمعين بالمباشرة والتسبيب ، بما لنا من العظمة التي تتلاشى عندها كثرتهم وقوتهم (مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى) أي قبل يوم القيامة ، بأيديكم وغيرها ، وقد صدق الله قوله ، وقد كانوا عند نزول هذه السورة بمكة المشرفة في غاية
__________________
(١) هو بعض المتقدم.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
