لي الجنة والنار (١)» انتهى. وفي القاموس : المثل ـ بالكسر والتحريك وكأمر : المشبه ، والمثل محركة : الحجة والحديث والصفة ، والمثيل : المقدار والقصاص وصفة الشيء والفراش ، جمعه أمثلة ومثل ، والتمثال ـ بالكسر : الصورة ومثل قائما : قام منتصبا كمثل بلاضم مثولا ـ انتهى. وفي شمس العلوم : والعرب تقيم المثل مقام النفس فتقول : مثلي لا يقول هذا أي أنا انتهى. فقد بان أن المثل بالإسكان والتحريك واحد ، وأنه في الأصل عبارة عن نفس الشيء وصورته ، ثم شاع فيما يشابهه ، فمعنى مثل أي انتصب تشكل وتصور فكانت له صورة وشكل لأن بالانتصاب تتحقق صورته وتظهر ، وكذا مثل بمعنى لصق بالأرض وإن كان ظهوره بالقيام أوضح ، وكذا مثل إذا زال عن مكانه لأنه حصل الانتصاب أو اللصوق ، وزاد الانتقال ، ويوضح ذلك قولهم : مثله له ـ إذا صوره حتى كأنه ينظر إليه ، فعلم قطعا أن معنى الآية ما قلته ، وأنه لو قيل (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ،) من غير كاف ، لربما قال بعض أهل التعنت : هذا معناه أنه ليس شيئا ، لأنا قد علمنا أن المثل هو الشيء ، وقد كانوا يتعنتون بدون هذا ، فأتى بالكاف إزالة لهذا التعنت مع العلم القطعي بأن ظاهر ما نفهمه غير مراد ، لأنه يؤدي إلى محالين هما في غاية الضمور يحاشى عن أحدهما فكيف إذا اجتمعا من له أدنى حكمة فكيف بأحكم الحكماء ، أحدهما أن له مثلا ، والثاني أن مثله لا مثل له مع الحكم بأنه مثله ، وذلك تناقض ظاهر يتعالى الله عن إرادة مثله علوا كبيرا ـ والله الموفق.
ولما كان قد أبطن نفسه سبحانه بهذا التنزيه إبطانا عظيما ، وكان هذا الإعراق في البطون لا تحتمله العقول ، فلا يؤمن عليها النزوع إلى التعطيل ، قربه بنوع ظهور بذكر ما نعقله من الأوصاف بعد الأمن من التشبيه لمن يأمل الكلام ، وحكم العقل وطرد الوهم ، فأتى بأوضح ما نحسه من أوصافنا. وأظهره مع استلزامه لبقية الصفات فقال : (وَهُوَ) أي والحال أنه لا غيره (السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) أي الكامل في السمع والبصر والعلم من البصر والبصيرة ، ومن المقطوع به أن ذلك لا يكون على وجه الخصوص إلا بالوحدانية والحياة والقدرة والإرادة والكلام ، فاستوفت هذه الآية ما لوح إليه العاطف في قوله «وما اختلفتم» بعد ما صرح به ، فالله هو الولي من أصول الدين بالصفات السبع على أتم وجه ـ والله الموفق ، قال الحرالي : السمع إدراك ألطف المثلين وهو الاسم ، والبصر إدراك أظهر المثلين وهو الصورة ، وبالحق سبحانه بدأ كل مثل لطيف فهو السميع بالحقيقة أن
__________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤ / ٧٠ ومسلم ٢٨٥٦ وأبو يعلى ٦١٢١ وابن حبان ٧٤٩٠ من حديث أبي هريرة بلفظ «عرضت عليّ النار ...» الحديث ولم أره بلفظ «مثلت» والمعنى واحد.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
