(وَفَرِيقٌ) أي منهم أهل فرقة خذلهم الله ووكلهم إلى أنفسهم فزادوا في الفرقة (فِي السَّعِيرِ) عدلا منه ، قال القشيري : كما أنهم في الدنيا فريقان : فريق في درجات الطاعة وحلاوات العبادات ، وفريق في ظلمات الشرك وعقوبات الجحد والشك ، فلذلك غداهم فريقان : فريق هم أهل اللقاء ، وفريق هم أهل البلاء والشقاء. روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : خرج علينا رسول الله صلىاللهعليهوسلم وفي يده كتابان فقال : «أتدرون ما هذان الكتابان؟ قال : قلنا لا ، إلا أن تخبرنا يا رسول الله! قال للذي في يده اليمنى : هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ، ثم أجمل على آخرهم ، لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا ، ثم قال للذي في يساره : هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم ، ثم أجمل على آخرهم ، لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا ، فقال أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم : فلأي شيء نعمل إن كان هذا أمرا قد فرغ منه ، قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل الجنة وإن عمل أي عمل وإن صاحب النار يختم له بعمل النار وإن عمل أي عمل ، قال بيده فقبضها ، ثم قال : فرغ ربكم عزوجل من العباد ، ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال : فريق في الجنة ، ونبذ باليسرى فقال : فريق في السعير (١)» قال ابن كثير : وهكذا رواه النسائي والترمذي جميعا ، وقال الترمذي : حسن صحيح غريب.
ولما كان ملوك الدنيا غالبا لا يريدون أن يعصى أمرهم ، فإذا حذروا من شيء أرادوا أن لا يقرب ، فإن فعله أحد كان فعله له خارجا عن مرادهم ، فكانت عقوبتهم له لخروجه عن المراد شفاء لما حصل لهم من داء الغيظ ، بين أنه سبحانه على غير ذلك ، وأنه منزه عن خروج شيء عن مراده ، وعن أن يلحقه نفع بطاعة أو ضر بمعصية ، وإن عقوبته إنما هي على مخالفة أمره مع الدخول تحت مراده بإلجائه وقسره ، وهذا في نفس الأمر ، وأما في الظاهر فالأمر أن لا يظهر أنه لشيء منهما مانع إلا صرف الاختيار ، فقال صارفا القول عن مظهر العظمة استيفاء لإنذار ما هو حقيق به منها إلى الاسم الجامع صفات العظمة وغيرها لاقتضاء الحال له : (وَلَوْ شاءَ اللهُ) أي المحيط بجميع صفات الكمال (لَجَعَلَهُمْ) أي المجموعين (أُمَّةً واحِدَةً) للعذاب أو الثواب ولكنه لم يشأ ذلك بل شاء أن يكونوا فريقين : مقسطين وظالمين ، ليظهر فضله وعدله وأنه إله جبار واحد
__________________
(١) حسن. أخرجه الترمذي ٢١٤١ والنسائي في الكبرى ١١٤٧٣ وأحمد ٢ / ١٦٧ من حديث عبد الله بن عمرو وقال الترمذي : هذا حديث حسن غريب صحيح ا ه رجال كلهم ثقات سوى حيي بن هانىء المصري فإنه صدوق يهم.
ـ وله شاهد من حديث ابن عمر أخرجه ابن عدي في الكامل ٥ / ٢٩٤ وهو واه.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
